![]() | ![]() | ![]() | |||
| #1 | |||
| |||
| البحث المقدم من الدكتور وليم وبصا في المؤتمر الوطني الأول لمناهضة التمييز الديني الذي عقد بالقاهرة يومي 11 و12 إبريل 2008. *** أشكال التمـييز الدينـي في الإعــلام دكتور ولـيـم ويــصــا weessa_william@yahoo.com التمييز هو سلوك يتمثل في أن تكون الخيارات بين الأفراد أو المجموعات مستندة إلي صفات معينة خاصة بهم مثل اللون أو الدين أو العنصر وليس علي أساس المساواة في الحقوق والواجبات وهو بالتالي تمييز يؤدي إلي تباين في السلوك وتفرقة في المعاملة بين الأفراد والمجموعات. وأقول في البداية إن المصريين بشكل عام يعانون من أشكال عديدة للتمييز تمارسها أجهزة الإعلام المسماة بالقومية ويتمثل هذا التمييز في انحياز هذه الأجهزة للسلطة ومؤسساتها وخضوعها لها وهي عادة ما تكتفي في التغطية الإخبارية بترديد وجهة النظر الرسمية، أو تشويه الأحداث أو نشرها بطريقة ملتوية. وهناك عدة أنواع من التمييز منها التمييز الشخصي والتمييز القانوني والتمييز المؤسسي، ونحن في هذه المداخلة نجد أنفسنا أمام تمييز مؤسسي ديني تمارسه أجهزة الإعلام لصالح الأغلبية الدينية علي حساب الأقليات الدينية. ولعل أخطر أنواع التمييز في أجهزة الإعلام هو التمييز الديني، التمييز بين الأغلبية الدينية والأقليات الدينية فيما يتعلق بالتغطية الإخبارية والتقارير والتعليقات بشكل عام، وهذا التمييز الديني يطال كل الأديان والأقليات الدينية والطوائف والمعتقدات الأخرى مقارنة بديانة الأغلبية وخاصة الطائفة السنية علي وجه التحديد. وسوف أركز حديثي علي التمييز ضد المصريين الأقباط نظرا لأنها الأقلية الأكثر عددا، ونظرا لتوفر قدر من المعلومات لدي حول هذا الموضوع. وسوف أتحدث عن بعض أشكال التمييز سواء في موقف الدولة أو في ممارسات الأجهزة الإعلامية، وسوف أقدم نموذجا تطبيقيا للتغطية الإخبارية في مذبحة الكشح. وسأتناول في النهاية بعض الأكاذيب المزمنة التي ترددها أجهزة الإعلام فيما يتعلق بالملف القبطي. ويمكن القول بشكل عام أنه ليس هناك تعبير صادق في أجهزة الإعلام عن واقع قطاع عريض من المصريين هم الأقباط ومشاكلهم. وهناك تعمية إعلامية فيما يتعلق بالواقع الذي يعيشونه ليس فقط فيما يتعلق بالاعتداءات التي يتعرضون لها، ولكن أيضا فيما يتعلق بكافة جوانب الملف القبطي. حيث تنتهك أجهزة الإعلام المصرية وخاصة ما يسمي بالإعلام القومي سواء الصحافة المكتوبة أو الإذاعة والتلفزيون قواعد العمل الصحفي المهني في التغطية الإخبارية للأحداث المتعلقة بهم والتحقيقات الصحفية التي تتناول جوانب الملف القبطي، وذلك مع استثناءات قليلة، كما أن أجهزة الإعلام التي تدعي بأنها مستقلة تتناول جوانب الملف القبطي بطريقة مثيرة وملتوية لا تسمح بالتوعية الحقيقة بمشاكلهم، ما عدا استثناءات قليلة. أشكال التمييز: إذاعة للقرآن الكريم والقداس علي موجة فلسطين: بدأ التمييز من قبل الدولة بعد عام 1952 مباشرة، ففي الوقت الذي قٌام فيه نظام عبد الناصر بإنشاء إذاعة القرآن الكريم، لم يسمح بإذاعة قداس الأحد علي أي موجة من موجات الإذاعة المصرية، ولكنه سمح فقط بإذاعة جزء من القداس القبطي علي موجة إذاعة فلسطين. أي أن المواطنين المصريين يستمعون إلى قداس الأحد في وطنهم على موجة إذاعة موجهة للاجئين. واستمر هذا التمييز من قبل الأنظمة المتعاقبة حيث رفض طلب الكنيسة القبطية في عهد الرئيس مبارك لتخصيص موجة علي القمر الصناعي المصري، نيل سات لإقامة قناة تلفزيونية قبطية، في الوقت الذي وافقت فيه الدولة علي تخصيص عدة قنوات لمحطات تلفزيونية أجنبية مثل قناة اقرأ السعودية. وهناك عدم السماح بإعطاء أية تراخيص لجرائد مسيحية أخري. وقد انتظرت جريدة وطني خمس سنوات حتى يوافق المجلس الأعلى للصحافة علي تجديد ترخيصها بعد أن تحولت إلي شركة مساهمة. التمييز الذي تمارسه أجهزة الإعلام: 1- الإنفراد بالدعوة: يتمتع المسلمون والمسلمون السنة فقط باستخدام أجهزة الإعلام الرسمية للدعوة للدين الإسلامي وعدم إتاحة الفرصة للدعوة أمام أي عقيدة أخري. ويحظون بمساحات كبيرة في الصحف، ومساحات زمنية هائلة في الإذاعة والتلفزيون. وقد يقول قائل إن هذا هو حق الأغلبية ولها حق التفرد بذلك، والرد علي ذلك انه ليس هناك أغلبية أو أقلية فيما يتعلق بممارسة الحقوق والواجبات، فهذه حقوق دستورية، فضلا عن توقيع مصر علي كافة المواثيق والإعلانات الدولية مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تكفل المساواة في الحقوق والواجبات. وفي فرنسا مثلا يحظي المسلمون مثلهم مثل الديانات الأخرى، اليهودية والمسيحية والبوذية، ببرنامج صباح كل يوم أحد علي القناة الثانية وهي القناة الرسمية التابعة للدولة، ويشرف علي إنتاجه وتقديمه، مسلمون يتمتعون بالحرية الكاملة في اختيار مضمون البرنامج ودون أدني تدخل من التلفزيون الفرنسي الذي يدفع تكاليف إنتاج هذا البرنامج وبثه مثل غيره من البرامج الدينية الأخرى. وذلك رغم أن دين الغالبية هو المسيحية ودون أن يشكل ذلك حساسية أو اعتراض من أحد، وفى إطار مساواة بين الجميع على شاشة التلفزيون. وفي مصر ينفرد شيخ الأزهر والمفتي والدعاة بالدعوة الدينية في هذه الأجهزة بينما ذلك محظور علي القيادات الدينية للأقليات. وأشير هنا إلي أنه عندما ذهب المرحوم إبراهيم نوار رئيس تحرير الجمهورية الأسبق وطلب من قداسة البابا شنودة الثالث أن يكتب مقالا أسبوعيا كل يوم أحد في جريدة الجمهورية، كانت مقالات البابا تتعلق بالقيم الأخلاقية مثل التسامح والمحبة والصدق والأمانة وزادت من توزيع جريدة الجمهورية بشكل كبير وعلي الرغم من أنه لم يكن يتناول العقيدة المسيحية بشكل مباشر، تعرض الأستاذ إبراهيم نوار لضغوط رهيبة أضطر معها قداسة البابا، حتى لا يسبب حرجا للرجل، إلى التوقف عن كتابة المقال. وذلك هو الحال أيضا بالنسبة لمقالاته التي تنشر الآن في جرائد أخري. ويقتصر الأمر فقط على نشر مقالات البابا وبعض رجال الدين المسيحي مرتين في السنة مع حلول الأعياد. مع استثناء واحد ووحيد في جريدة الوفد التي تفرد بابا كل يوم أحد بعنوان " لقاء الأحد" يشرف عليه القمص مرقص عزيز ميخائيل. وإذا كنت من أنصار عدم تخصيص أية مساحة للمادة الدينية في أجهزة الإعلام ما عدا إذاعة الشعائر الدينية، فإنني أتساءل في مواجهة هذا الواقع، واستنادا إلي المساواة في الحقوق والواجبات، لماذا لا تكون هناك مساحة في الصحف القومية التي تصدر يوم الأحد تخصص لمقالات دينية مسيحية أسوة بما يحدث على صفحات الجمعة، ولماذا لا تكون هناك مادة دينية للأقباط في الإذاعة والتلفزيون أسوة بالأحاديث الدينية في هذه الأجهزة. إن هذا الواقع يعني أن الصحف القومية في مصر تفرق بين قرائها، والإذاعة تفرق بين مستمعيها والتلفزيون يفرق بين مشاهديه، حيث تقدم هذه الأجهزة مادة دينية غزيرة لقطاع منهم يوم الجمعة، وتتجاهل قطاعا هاما يوم الأحد، ومن حق هؤلاء أن يجدوا هذه المادة في الصحف والإذاعة التي يستمعون لها والتلفزيون الذي يشاهدونه، أسوة بأشقائهم في هذا الوطن لأن هذه الأجهزة يمولها المصريون المسيحيون أيضا من الضرائب التي يدفعونها. وفي مجال الإنفراد بالدعوة، غني عن القول أن أجهزة الإعلام عادة ما تفسح المجال بتوسع للتحدث عن التحول إلي الإسلام، وتمارس التعمية فيما يتعلق بالتحول من الإسلام إلي العقائد الأخرى وفي أفضل الأحوال فإنها تصف أي مسلم يتحول عن الإسلام بأنه مختل عقليا. 2 – عدم تمتع الأقليات الدينية بحق الرد عند مناقشة معتقداتهم في أجهزة الإعلام: لا يتاح حق الرد فيما يتعلق بمناقشة العقائد الأخرى، حيث يتمتع جميع الدعاة في الإذاعة والتلفزيون والصحف بمناقشة الأديان الأخرى، وتفسيرها علي هواهم، ودون أن يكون لأحد آخر حق الرد. وأذكر أن المتنيح الأنبا أغريغوريغورس أسقف الدراسات اللاهوتية، أرسل العديد من الرسائل للرد علي بعض الدعاة وخاصة الشيخ متولي الشعراوي ولم تنشر واحدة منها. وكذلك هو الحال بالنسبة للتعرض للعقائد الأخرى في المقالات التي تنشرها حاليا ما يسمي بالصحف القومية وغير القومية. 3 من أشكال التمييز أيضا هو نشر الاعتداءات التي يتعرض لها الأقباط تحت مسميات غير مناسبة وفي صفحات الحوادث، ونفاجأ بنشرها في الصفحات الأولي عندما يكون هناك تصالح مزعوم. في حين أن الاعتداءات التي يتعرض لها المسلمون من قبل السيخ مثلا في الهند تبرز وتنشر في الصفحات الأولي علي إنها اعتداءات وليست فتنة طائفية بين المسلمين والسيخ. نموذج تطبيقي فيما يتعلق بالتغطية الإخبارية للهوية الدينية للضحايا: وسوف أتعرض هنا لمثل تطبيقي يكشف عن التمييز الصارخ في التغطية الإخبارية للاعتداءات التي تتم ضد الأقباط، وسوف أعود لنموذج قديم، لم يتقادم وهي التغطية الإخبارية للمذبحة التي وقعت في الكشح، وللأسف فإن ذلك يتكرر حتى اليوم في الاعتداءات التي وقعت ضد الأقباط في بني والمس والعديسات والعياط وبمها واسنا، ومناطق أخري. فيما يتعلق بأحداث الكشح التي قتل فيها 21 قبطيا خلال عدة ساعات يوم 2 يناير 2000 وتم تدمير وحرق ونهب ممتلكات الأقباط في الكشح ودار السلام، لم تذكر محطات التلفزيون والإذاعة والصحف في مصر أي شيء عن الهوية الدينية للضحايا خلال اليومين الأولين. واكتفت بنشر بيانات وزارة الداخلية التي أوردت معلومات خاطئة عن مقتل اثنين فقط وجرح ثمانية. ولا ينطلق هذه الكلام من مفهوم طائفي، ولكنه يتعلق بقاعدة هامة من قواعد العمل الصحفي. إذ أنه من أبجديات التغطية الإخبارية التي يعرفها الطلبة في سنة أولي صحافة هي ضرورة أن يكون الخبر إجابة لخمسة أسئلة هي من فعل ماذا أين ومتى والإشارة للهوية الدينية للقتلى في مثل هذا النوع من الأحداث تكتسب أهمية خاصة لأنها تشير على الفور إلى طبيعة الحدث لكون جميع القتلى من الأقباط. وبعد 48 ساعة من وقوع المذبحة وعندما تضطر الإذاعة والتلفزيون والصحف داخل مصر للإشارة إلى العدد الحقيقي للقتلى، لا نعرف على الفور طبيعة الحدث عندما تشير في العناوين إلي " مصرع عشرين مواطنا في الكشح " كما لو كان ذلك نتيجة لحادث تصادم أو غرق أوتوبيس في ترعة أو انهيار أحد المنازل. هذا في الوقت الذي صدرت فيه صحف دولية عربية مثل جريدة الحياة اللندنية في مانشيت الصفحة الأولى تقول" مصرع عشرون مواطنا قبطيا في أحداث طائفية "."[1]، قبل أجهزة الإعلام المصرية وخارج مصر، هنا نعرف على الفور طبيعة الحدث بكل ما يترتب على ذلك من نتائج على عمل الأجهزة المعنية وتوعية الرأي العام به من حيث خطورته وجسامته. وهذا لا يعفى أجهزة الإعلام المصرية من المسئولية، ذلك أن جميع وكالات الأنبا قد ذكرت تفاصيل ما حدث منذ الساعات الأولى. وإذا كان يحق لمسئولي الديسك الإخباري بوسائل الإعلام الإشارة إلى هذه البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية، فإن قواعد العمل السليم التي يعرفونها جيدا كانت تفرض عليهم أن يذكروا أيضا المعلومات الواردة من مصادر أخرى مثل وكالات الأنباء العالمية التي تحدثت جميعها عن هوية القتلى من الأقباط منذ الساعات الأولى بعد بدء الأحداث، بل وقبل صدور بيانات الداخلية. هناك أمر آخر في منتهي الخطورة وهو توجيه الاتهام للمجني عليهم بعد المذبحة: لم يقتصر الأمر على هذا التجاهل والتجهيل المتعمد والخطير لأحد العناصر الأساسية لمكونات الحدث التي تكشف عن طبيعته، بل وصل أسلوب النشر إلى حد إلى إلقاء التهمة بشكل مباشر وغير مباشر علي مسيحيي الكشح بشكل عام، أي أنها توجه الاتهام للضحايا الذي تعرضوا لهذه الاعتداءات. ووجدت في شخص القمص جبرائيل عبد المسيح، كبش فداء وذلك مع إدراك الكثيرين بعد أيام عديدة من المذبحة داخل أجهزة الإعلام المصرية وسلطات التحقيق بأن جميع القتلى من المسيحيين. هذا فضلا عن أن الأمن والشرطة يعرفان أن القمص جبرائيل عبد المسيح كان أثناء اندلاع عمليات القتل على بعد 60 كيلومترا من الكشح في البلينا عند الأنبا ويصا. وفور علمه بالأحداث توجه إلى نقطة الشرطة مباشرة، وكان بصحبة الأمن في عربة مصفحة للشرطة طوال الوقت بعد أن رفض دخول الكشح خوفا على حياته. ومع ذلك تنشر الصحف واستنادا إلى قرارات النيابة والشهود الذين لم يروا شيئا عجبا. حيث كتبت الأهرام تحت عنوان " نيابة أمن الدولة العليا تأمر بالقبض على 29 متهما " تقول " أمر المستشار هشام سرايا المحامى العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا بسرعة القبض على 29 متهماً من بين الذين شاركوا في الأحداث التي شهدتها قرية الكشح بسوهاج. وقد شمل القرار (...) القمص جبرائيل راعى كنيسة الكشح الذي أكدت أقوال المصابين والشهود في الحادث قيامه بإطلاق الرصاص من سلاح آلي من أعلى كوبري القرية مما أدى إلي إصابة عدد من المواطنين "[2]. وبعد خمسة عشر يوما من المذبحة تنشر جريدة المساء عنوانا مثيرا يحمل دلالات الاتهام بشكل واضح للأقباط جاء فيه: " 6 تهم لــ " كوكو " و "بيبو " و ميخائيل.. في أحداث الكشح": تقول فيه " أمر المستشار هشام سرايا المحامى العام لنيابات أمن الدولة العليا بحبس كل من كوكو عياد بطرس وشقيقه بيبو، ومظهر ميخائيل 15 يوماً على ذمة التحقيقات في أحداث قرية الكشح. وجهت النيابة للمتهمين 6 تهم هي : حمل سلاح بدون ترخيص، والشروع في القتل، والإضرار بالمال العام، وإحداث فتنة وترويع المواطنين والإساءة إلي نظام الأمن والسلام الاجتماعي. ( ... ) وتبذل أجهزة الأمن جهودها لضبط القس جبرائيل راعى كنيسة الملاك وإحالته للنيابة بعد أن صدر ضده قرار بالضبط والإحضار باعتباره متهماً في أحداث الكشح الأخيرة" [3]. ولا يتورع محرر الخبر في جريدة أخري هي جريدة الجمهورية في نفس اليوم عن استخدام عنوان صارخ : " ضبط وإحضار القمص جبرائيل .. و34 متهما "[4]. والأمر المذهل هو أن القمص جبرائيل كان بصحبة المستشار هشام سرايا محامى عام نيابات أمن الدولة العليا عندما حضر للكشح، ولم يقبض عليه رغم الأمر الذي كان قد أصدره بضبطه وإحضاره، بل أمر بإيصاله إلى منزله بالسيارة الرسمية التي جاء بها إلى الكشح. وتشير طريقة النشر هذه بطريقة ضمنية إلي أن المتضررين هم من المسلمين في حين أنهم كانوا جميعاً ودون استثناء من المسيحيين. ذلك أن تجديد الحبس لواحد وثلاثين متهما لم يقتصر على المسيحيين فقط، ومع ذلك تكتفي الجريدة أو من أبلغها بذكر أسماء مسيحية فقط. الطريف أن جميع القيادات الأمنية التي كانت قد ذهبت للكشح. تناولت طعام الإفطار في ضيافة القمص جبرائيل عبد المسيح. وفى نفس اليوم أبلغ اللواء مصطفى عبد الحسيب مساعد رئيس جهاز مباحث أمن الدولة في القاهرة والعميد عاطف أبو شادي من مباحث أمن الدولة بالقاهرة أيضا، الأنبا ويصا " بأن أبونا ( جبرائيل ) ما يروحش النيابة لأن سيصدر قرار من الوزير بإعفائه من التهم المنسوبة إليه ".[5] ونجد أنفسنا هنا أمام مفارقة مؤلمة للغاية، ففي الوقت الذي لم تشر فيه جميع البيانات ومانشيتات الصحف التي صدرت بعد أيام من المجزرة إلي الهوية الدينية للضحايا، يجرى هنا توجيه الاتهام إلي أسماء مسيحية والى رجل دين مسيحي. وسعى الإعلام ومن قبله أجهزة الدولة بالطبع للبحث علنياً عن كبش فداء مسيحي، وكما حدث هذا في وقت سابق مع الأنبا ويصا، يجرى هنا البحث عن كبش فداء آخر في شخص القمص جبرائيل، وهؤلاء جميعا لم يقتلوا ذبابة واحدة. وقبل كل ذلك عندما أسقطت التهم عن القمص جبرائيل عبد المسيح لم تشر إلى ذلك صحيفة واحدة من الصحف التي حاكمته ووجهت له الاتهامات قبل النيابة وبعدها. أكاذيب مزمنة.. في الملف القبطي ترددها أجهزة الإعلام: قد يكون من المفيد وحتى تكتمل الصورة، أن نقوم بتحليل مضمون لبعض الأكاذيب التي تنشرها وتبثها أجهزة الإعلام وهي في حقيقتها شكلا من أشكال التمييز فيما يتعلق بالأقباط والملف القبطي بشكل عام. أكذوبة الفتنة الطائفية: في مقدمة المقولات التي تلجأ إليها الدولة وترددها أجهزة الإعلام مثل الببغاوات عند وقوع هذا النوع من الأحداث، هو الحديث عن " فتنة طائفية" عندما يتعرض الأقباط لاعتداءات. ويستخدم الصحفيون والعديد من الكتاب هذا المصطلح الزائف لتوصيف الاعتداءات التي يتعرض لها الأقباط منذ عدة عقود. وأعتقد أنه لو كانت هناك رغبة حقيقة ومخلصة لمواجهة هذا النوع من المشاكل التي نعاني منها لتم توصيفها، في معرض التشخيص الصحيح لمشاكل هذا الوطن، بالاعتداءات الطائفية، ليس فقط من أجل التشخيص السليم والبحث عن العلاج الصحيح، ولكن قبل كل ذلك من أجل توعية الشعب بحقيقة الأمر. وهكذا نجد أن أجهزة الإعلام أسهمت بهذا التشخيص غير السليم في إيهام الرأي العام المصري بمسئولية الأقباط فيما يسمى بالفتنة الطائفية، وبالتالي في خلق مناخ عام غير صحي يقبل هذا النوع من الاعتداءات في إطار هذا التشخيص الزائف. المتطرفون من الجانبين" أم الأكاذيب ": تعشق الصحافة في مصر بعد كل اعتداء على الأقباط ترديد أكذوبة مزمنة ووهم تحول من فرط ترديده إلى ما يشبه الحقيقة المسلم بها في أذهان الكثيرين، وهى الحديث عن " المتطرفين من الجانبين". وهذا الطرح الخاطئ الذي تكرر كثيرا خلال العقود الماضية والذي لا يمت للواقع بصلة، يفترض أن هناك أيضا متطرفين أقباط داخل مصر. وللرد علي هذه الأكذوبة أقول إننا لم نر جماعة قبطية تكونت مثل الجماعات الإسلامية، وقامت بإحراق المساجد كما حدث للعديد من الكنائس وأشهرها كنيسة الخانكة في 6/11/1972، وفى منطقة أبو زعبل ومدينة سمالوط وكنائس أخرى في محافظات المنيا وأسيوط والقاهرة عام 1978 وكنيسة روض الفرج عام 1988 وكنيسة قصرية الريحان الأثرية عام1979، والهجوم على بعض الكنائس في الإسكندرية عام 1980 ولم يحدث أن قام أقباط بإطلاق النار على المصلين داخل الجوامع كما قامت جماعات بإطلاق النار على المصلين واغتيالهم وهم يصلون كما حدث في قرية الفكرية بالمنيا عام 1997 وأدى ذلك إلى قتل عشرة مصلين داخل الكنيسة ولعل الاعتداء علي كنائس الإسكندرية ما يزال حاضرا لآن في الأذان. ولم يقم أقباط بالاعتداء على محلات الذهب المملوكة للمسلمين كما قامت بذلك عشرات المرات جماعات إرهابية مستحلة " أموال الكفار " في عمليات سطو إجرامية على محلات ذهب مملوكة للأقباط. ولم يحدث أن قام أقباط بالاعتداء على صيدليات مملوكة لمسلمين وفرض إتاوات عليهم وحرقها إن رفض صاحبها دفع الإتاوة، كما حدث في حرق ثلاث صيدليات كبرى في بني سويف في فبراير عام 1991، واغتيال صيدلي قبطي في ديروط عام 1993 وفى العديد من محافظات الصعيد. ولم يحدث أن حمل أقباط السلاح ضد الدولة كما فعلت العديد من الجماعات الإسلامية، ولم يقم قبطي باغتيال رئيس الدولة ورئيس مجلس الشعب ومفكرين مثل فرج فودة، أو بمحاولة اغتيال نجيب محفوظ. ولهذا فإن الحديث عن " المتطرفين من الجانبين " وهو ما يعنى وجود تطرف قبطي في مصر هو " أم الأكاذيب " في الملف القبطي إن صح التعبير. علي المستوي الدرامي: قبل أحداث الكشح عام 2000 كان هناك تغييب للشخصية القبطية علي مدي أكثر من نصف قرن في الإذاعة والتلفزيون وبعد مذبحة الكشح عام 2000 علي وجه التحديد شهدت شاشة التلفزيون المصري عودة شخصيات قبطية إلى الظهور في مسلسلات تلفزيونية، وذلك بعد غياب طويل وبدأ ذلك في مسلسل أوان الورد الذي أثار ضجة كبيرة، وقبل ذلك يمكن القول " إنه لو جاء شخص من المريخ وشاهد التلفزيون المصري لمدة أسبوع ودون أن يخرج من منزله، سوف يعود إلى المريخ دون أن يدرى أن مصر فيها أقباط " [6]. وعادة ما يتم تصوير الوحدة الوطنية في هذه الأعمال الدرامية من خلال قصة حب بين شاب مسيحي وفتاة ومسلمة، ويقوم الشاب القبطي بتغيير دينه حتى يتزوجها. وإذا ما تساءلت لماذا يجري تصوير الوحدة الوطنية بشكل منتظم علي هذا النمط يقولون لك إن هذا هو ما يحدث في الواقع وأن الفن هو إنعاس للواقع. ولكن الواقع ملئ أيضا بفتيات مسلمات يتزوجن مسيحيين وتتحولن إلي المسيحية، أو دون أن يتحول الزوج المسيحي إلي الإسلام. والواقع ملئ بهذه النماذج ليس في أوربا فقط. وإذا كان هناك الآن قليل جدا من البرامج التي تهتم بالأقباط والتراث القبطي، فإنها على ضآلتها، موجهة للتصدير للخارج على قناة النيل, والقليل منها فقط موجه للداخل. ويبقى في النهاية أن نقول إنه رغم هذه الصورة القاتمة هناك واحات قليلة مثل جريدة المصري اليوم التي تمثل في رأيي نموذج للإعلام الجاد، وهناك برامج قليلة جدا في التلفزيون الخاص بدأت تتعامل مع مشاكل الأقباط بقدر من الجرأة وإن كان بعضها يلجأ إلي الإثارة وعدم طرح هذه المشاكل بجدية, ويمكن القول أيضا أن هناك صحفيين مصرون يجاهدون كل يوم من أجل نشر الحقيقة وكتاب عظماء لم تنحني هاماتهم أمام هذا التيار العاتي القادم من السلطة أو من خارجها ولكن صوتهم غير مسموع للأسف الشديد في مواجهة هذا التيار الكاسح. [1] جريدة الحياة اللندنية 4 يناير 2000. [2] جريدة الأهرام 7 يناير 2000. [3] جريدة المساء 17 يناير 2000. [4] جريدة الجمهورية 17 يناير 2000. [5] راجع الفصل الرابع عشر. [6] لقاء مع المخرج سمير سيف في كافيتيريا فندق هيلتون القاهرة 25 يوليو 2001. |
![]() |
| أدوات الحوار | |
| |