كيفية الإنتساب إلى الموقع

عودة   مصريون ضد التمييز الديني > الساحات العامة > قضايا خلافية

رد
 
LinkBack أدوات الحوار
  #1  
قديم 8th August 2009
جمال البنا
Guest
 
المداخلات: n/a
الوضع الإفتراضي تطوُّر الخطاب القبطي من المودة والخلاص إلى الخصومة والصراع

تطوُّر الخطاب القبطي من المودة والخلاص إلى الخصومة والصراع
بقلم: جمال البنا

(1)

اتسم الخطاب القبطي خلال الفترة من ١٩٢٠-١٩٧٠ بطابع من المودة نحو الإسلام والمسلمين والتركيز على أن المسيحية كدين شيء، وأن الوطنية شيء آخر، وأن القبطي مواطن صالح يعمل بإخلاص لخدمة الدولة كائناً ما كان دينها مادامت لا تتعرض لديانته، ولا تطالب بشيء يتناقض معها، وأن المهمة الوحيدة للكنيسة تدور حول محور واحد، هو الخلاص الروحي الذي جاءت له.. وبه.. المسيحية.

وبدت هذه المرحلة بداية رائعة.. باهرة، فقد كانت تلك هي انطلاقة الشعب في قومة ١٩١٩، وهى الانتفاضة التي تحولت إلى ثورة، ووصل الإيمان بها والحماس لها درجة صهرت كل الخلافات والخصائص، وطغت العاطفة الوطنية على العاطفة الدينية حتى قال سرجيوس: «إذا كان الإنجليز يتعللون للبقاء بمصر بحماية الأقباط، فليمت الأقباط ولنحيا مصر»، ولم يرد سرجيوس، كما لم يرد المسلمون موتاً للأقباط، ولكن هذه كانت صيغة لتفنيد تعلل الإنجليز، وخطب القسيس في الأزهر والمساجد، كما خطب الشيوخ في الكنائس، ولم يرد هناك تفرقة بين قس وشيخ، فقد قال شاعرهم:
الشيخ والقسيس قسيسان ولقد يكونا في الورى شيخان

وعندما كون سعد زغلول «الوفد» أعرب الأقباط عن رغبتهم في المشاركة فيه، ففتح لهم سعد زغلول الباب على مصراعيه، بحيث كان عددهم يماثل عدد المسلمين، وقد يزيد عليه في بعض الفترات.. الخ.
فإذا اعتبرنا أن فترة ١٩١٩ فترة استثنائية لا يمكن القياس عليها ولا يتصور الاستمرار لها، وعدنا إلى الخطاب القبطي «الفني» نجد أن المونسنيور باسيليوس موسى، وكيل الأقباط الكاثوليك في مصر، ألقى عددًا من المحاضرات جمعت في رسالة صغيرة وطبعت باسم «الدين والوطنية» وصدرت في القاهرة سنة ١٩٢٠، (وأقر طبعها مكسيموس صدفاوي، مدير رسولي بطريركية الأقباط الكاثوليك، لفائدة الشبيبة المسيحية).

وضم الكتاب نقطتين:
النقطة الأولى: من منطلق أن الدين والوطنية شيئان متميزان لا يتنازعان إلا إذا أساء الإنسان فهمهما، أو إذا تعمد الإساءة إلى كليهما، وهو يقول إن الناس قبل المسيحية لم يكونوا يميزون بين الروحيات والزمنيات، بين الدين والوطن، فكان الدين والوطن عندهم شيئاً واحدًا، وساير هذا الاعتقاد وعبر عنه مَثَل لاتيني مشهور، معناه: إن الشرط الجوهري للتبعية الوطنية هو عبادة آلهة هذا الوطن.

ويرى المؤلف أن هذا المبدأ كان يقضى على حرية الضمير ويدفع الفاتحين إلى إجبار المغلوبين على اعتناق دينهم، ولم يشذ عن هذه القاعدة الرومان وإن قنـَّعوا سياستهم بالدهاء، فهي قد أبقت لأهالي البلاد المفتوحة آلهتهم، ولكنها أوجبت عليهم أيضًا عبادة الآلهة الرومانية، وعندما جاءت المسيحية وأعلنت رفضها لكل الآلهة الوثنية اعتبر الرومان أنهم زنادقة وأعداء للوطن، بل للجنس البشرى، ففي هذه الحقبة كانت روما تدّعى تمثيل العالم المتمدين، وبهذه التهمة برر الرومان اضطهادهم المعروف للمسيحيين.

فماذا كان رد المسيحيين؟!

لقد قالوا: «أيتها الدولة الرومانية، إننا حقيقة لا نعبد آلهتك ولا يمكننا أن نعبدها، لكن اعلمي أننا رغماً عن ذلك نحن أخلص الناس لك ولاءً، لأن الدين غير الدولة، الدين هو من اختصاصات الضمير، أما الدولة فإنها نتيجة ظروف جغرافية طبيعية، وأما نتيجة الانتصارات فلا دخل لها فيما يمس الضمير».

ويوجه المؤلف النظر إلى أنه رغم زيادة عدد المسيحيين وانتشار المسيحية في مختلف مستويات الناس ومسالك الحياة، فلم يخطر ببال هذه الجموع التي لا عدد لها أن تثور يومًا من الأيام في وجه الدولة أو وجه ملوكها، بل صبر المسيحيون على الاضطهاد وظلوا ثلاثة أجيال تـُسفك دماؤهم عن طيب خاطر، وهذا دليل قطعي على أنهم مع تمسكهم الشديد بالنصرانية كانوا موالين لملوكهم، في نفس الوقت والزمن الذي كان فيه هؤلاء الملوك يوقعون بهم كل صنوف الأذى والتعذيب.

وقد استشهد المؤلف بحقيقة أن التجنيد في الجيش الروماني لم يكن إجباريًا، ولكن عددًا كبيرًا من المسيحيين تطوعوا في الجيش الروماني وحاربوا تحت ألوية «النسر» ببسالة، مع تمسكهم بدينهم، وأورد المؤلف حالات عديدة لفرق أو مجموعات من الجنود المسيحيين أراد الإمبراطور أو القادة إجبارهم على تقديم الذبائح للآلهة الرومانية ولكنهم رفضوا وتعرضوا للفناء، وكان لسان حالهم كما ذكر أحد أفرادهم: «حضرت سبع مواقع شهيرة لم أتقهقر في واحدة منها وقت القتال، بل كنت مثال الهمة والشجاعة كما يشهد رؤسائي، فهل تظن أنى بعدما قمت بواجبي نحو الدولة بذمة وأمانة أخون واجبي الأسمى نحو الله؟».

وفى كل هذه الحالات لم يدفع المسيحيون محاولة الرومان بالقوة أو يدافعوا عن أنفسهم بحد السلاح رغم أنهم كانوا مدججين به ومحنكين في استعماله، ولكنهم آثروا أن يلقوا سلاحهم ويستسلموا لأعدائهم، وهذه الوقائع كلها تدل على أن «المسيحي خادم أمين لدولته، كما أنه خادم أمين لربه، وأن الدين والوطن هما شيئان متمايزان، من يقم بفروضهما لا يقبل أن يخون أحدهما ولو اضطره الأمر أن يسفك دمه».

ويعيد المؤلف هذا الموقف إلى أساس مبدئي هو «اترك ما لقيصر لقيصر وما لله لله» وأن المسيح حقق في حياته ذلك بدفعه الجباية عندما طولب بها، وَدَفـَعَ الجباية إقراراً واعترافاً منه بسلطان من يطلب الجباية، ولما سأله الفريسيون هل يلزم دفع الجزية أم لا؟ أجابهم بالإيجاب، وأضاف إلى ذلك الآية الشهيرة التي تدل صراحة على التمييز بين السلطة الدينية والسلطة المدنية وهى «أوفوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، ثم لما قصده أحد الناس وقال له: «يا معلم قل لأخي يقاسمني الميراث»، أجابه يسوع قائلاً: «يا رجل من أقامني عليكم قاضيًا أو مقسماً؟»، فصرح بكلامه هذا بأنه لم يأت إلى العالم ليكون ملكًا أرضيًا، بل ملكاً روحيًا، وأن كل خلاف يدور حول الأرضيات يجب رفعه للسلطة المدنية. وإن ما عمله المسيح قد عمله الحواريون.

قال ماربولس: «لتخضع كل نفس للسلاطين العالية فإنه لا سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة إنما رتبها الله، فمن يعاند ترتيب الله، والمعاندون يجلبون دينونة على أنفسهم، فلذلك يلزم الخضوع للسلطان». إن هذا النص لا يحتاج إلى تأويل، لأن معناه واضح، وهو أنه يتحتم على المسيحي من باب الذمة وتبعًا لأوامر الضمير أن يخضع للسلطة المدنية الشرعية، وقد جاءت هذه الآية في رسالة ماربولس الموجهة إلى المسيحيين الرومانيين، الذين كان يحكمهم في ذلك العهد نيرون، عدو النصارى والنصرانية، والذي طوّح به الجنون إلى أن يحرق روما لينسب هذه الجريمة إلى المسيحيين حتى يهيج عليهم الرأي العام ويفتك بهم، فكأن بولس إذن يقول: «ليس لكم يا مسيحيي روما عدو ألد من نيرون، ولكن بما أنه صاحب السلطة الشرعية فيلزمكم من باب الذمة والضمير أن تخضعوا لـه»، وقد أمر ماربولس الأسقف «طيطي» أن يذكّر الشعب بوجوب الخضوع للرئاسات والسلاطين.

وما علَّمه بولس فقد علَّمه بطرس رأس الحواريين، إذ قال: «فاخضعوا إذن لكل خليفة لها عليكم سلطة شرعية، وأما للملك فكالأعلى (أي مثل الأعلى)، وأما للولاة فكالمرسلين من قبله، للانتقام من فاعلي الشر وللثناء على فاعلي الخير».

ويستطرد المؤلف: «فهل يوجد شك بعد كل هذه البراهين الجلية والأدلة القطعية في أن حقيقة التمييز بين الدين والوطن هي من أصول المسيحية؟».

وقد علم الرسل أنه يلزم الولاء الكلى للسلطة المدنية، وأَمَرَ بولس الرسول «أن تقام تضرعات وصلوات وتوسلات وتشكرات من أجل جميع الناس، من أجل الملوك وكل ذي منصب لنقضى حياة مطمئنة ذات دعة في كل تقوى وعفاف، فإن هذا حسن ومقبول لدى الله مخلصنا».

وعملاً بأمر بولس الرسول لم تزل الكنيسة منذ نشأتها تطلب إلى الله في صلواتها الرسمية أن يحفظ الملوك في سلام ويوطد بينهم الاتحاد والائتلاف، ولو كان هؤلاء الملوك غرباء عن النصرانية أو أعداء لها، ومن الجيل الأول إلى يومنا هذا ما فتئت الكنيسة القبطية مثلاً تصلى كل يوم في أثناء القداس الإلهي (وهو أسمى عمل ديني تعمله) من أجل الملوك والجنود والرؤساء والوزراء، مع أنه منذ الجيل السابع لم يحكم مصر إلا حكام غير مسيحيين والبعض منهم أساءوا إليهم وعاملوهم بمعاملة «لو ذكرت لما شكرت».. انتهى الاقتباس من رسالة المونسنيور باسيليوس موسى.


Doubleposting merged automatically to prevent flooding
Done by ”MARED”, an AI Robot



(2)

وأدت الملابسات السيئة التي أعقبت هذه الفترة ــ وسنتحدث عنها فيما سيلي - لأن يكشف أحد رجال الكنيسة البارزين وهو الأب متى المسكين عن آرائه في هذه النقطة، وهى آراء لم تجد المناسبة لإعلانها، إلا بعد أن دخل الخطاب القبطي النفق المظلم، ففي حوار مهم ما بين الأستاذ مكرم محمد أحمد والأب متى المسكين نشر في (١٧/٤/١٩٨٠)، قال الأب متى إن الكنيسة المسيحية لها مهمة واضحة يجب ألا تتجاوزها أبدًا، وهذه المهمة هي تخليص النفوس بالبشارة المفرحة وكلمات الرب .

وهو يرى أن تدخل الكنيسة حتى في الخدمات الاجتماعية يخرجها عن مهمتها، ويوقعها في متاهات، ويورطها في مواقف تتعارض مع دورها، وعندما سأله المحرر ماذا عن علاقة الكنيسة بالمجتمع؟، قال : إن مهمة الكنيسة ألا تخدم المجتمع، ولكن أن تخدم الإيمان، وأن تخدم المسيح في أشخاص الخطاة والعرايا والأذلاء والمشردين ــ وكلما خرجت الكنيسة عن اختصاصات مسيحها وبدأت تنزع إلى السلطان الزمني وتجيش العواطف والمشاعر باسم الصليب، وزاغت وراء أموال الأغنياء وارتمت في أحضان أصحاب النفوذ وحاولت الجمع بين السلطان الديني والسلطان الزمني ودأبت على المطالبة بحقوق طائفيـة وعنصرية ــ فشلت المسيحية في تأدية رسالتها ودب فيها الخصام والنـزاع والوهن وأقفل في وجهها ملكوت السماء وصارت في حاجة إلى من ينتشلها من ورطتها ويردها إلى حـدود اختصاصاتها الأولى .

إن «متى المسكين» وهو يسعى إلى إنقاذ المسيح في إنقاذ كنيسته صارم في حدوده، إنه يرى حتى في ذلك الدور الذي تؤديه الكنيسة تحت عناوين من الخدمة الاجتماعية وغيرها خروجاً عن دور الكنيسة.

لماذا ؟

لأن الخدمة الاجتماعية ــ هكذا يقول متى المسكين ــ إذ تشمل رعاية الشباب اجتماعيًا وتوجيههم وتثقيف العمال وفحص أحوالهم ومطالبهم والعناية بالطلبة وإقامة النوادي والمعسكرات وترتيب المؤتمرات لبحث المشاكل الداخلية والخارجية للشباب، بل وإقامة المستشفيات والملاجئ تدخل في اختصاص نظام الحكم، فإذا علمنا أن أي نظام للحكم لابد أن يكون له اتجاهه الخاص وخططه في التوجيه والرعاية الاجتماعية لجميع ما عنده من الفئات، فإنه يتحتم في جميع الأحوال أن تكون الكنيسة دارسة لنظام الحكم حتى يكون مخطط الكنيسة الاجتماعي موافقاً ومطابقاً لمخطط الحكومة، وإلا فالصدام بين الكنيسة والدولة أمر لا مفر منه .

أين إذن تقع الحدود بين سلطان الكنيسة وسلطان الدولة ؟

إن متى المسكين يجيبنا في وضوح وصفاء نادرين : لا تماس ولا حدود، لأن ملكوت الكنيسة هو ملكوت الرب، وملكوت السلطان هو الدنيوية، هو عالمنا الأرضي، هو حياتنا ونظامنا الاجتماعي، وما لقيصر لقيصر وما لله لله، هذه هي الحدود كما تجلت في قول المسيح .

إن أردنا الاستفاضة يجيبنا متى المسكين قائلاً: إذا عجزت الكنيسة عن أن تضبط الإيمان بالإقناع والمحبة، وهرعت إلى الملوك والرؤساء، لتستصدر منشورًا بالإيمان تكون قد أخطأت الطريق، إن الإيمان لا يحميه السيف ولا يحميه القانون وإنما تحميه البشارة المفرحة وكلمات الرب والإقناع بكلماته .

وعندما احتمت الكنيسة في سيف قسطنطين الملك في القرن الرابع ليتولى حماية الإيمان بالسيف ماذا حدث؟، قاد قسطنطين حربًا صليبية في العالم رافعًا راية الصليب على ساري العداوة جاعلاً شعار الحياة هو نفسه شعار الموت، ربما لم يكن من العار أن يحارب أعداءه ولكن كان العار عليه ــ كل العار ــ أن يحارب أعداءه باسم الصليب .

إنه سيان أن تطلب الكنيسة القوة من السلطان الزمني، أو تحض على الاستهتار بقوة السلطان الزمني، لأن في الأولى خروجًا على اختصاص الكنيسة، وفى الثانية خروجًا على منطق المسيح ووقوعا في دينونة الله، إن الحض على الاستهتار بسلطة الدولة متمثلة في السلطان الزمني، هو تشجيع للشر، لأن الكنيسة لا ينبغي أبدًا أن تأخذ موقف العداء من الدولة والوطنية، ومصدر الخطر أن الذين يلقنون الدين للجميع يبنون الفرقة والتحيز والانقسام والتكتل .

إن يسوع المسيح يقول : ليس سلطان إلا من الله، كما أنه يقول أعطوا الجميـع حقوقهم، الخوف لمن له الخوف، والسلطان لمن له السلطان، والإكرام لمن له الإكرام، وبالتالي فإن تصرفات المواطن المسيحي فيما يختص بأمور السلطان الزمني لا تقع تحت سلطان الكنيسة، فالكنيسة لا تستطيع ولا ينبغي لها أن تستطيع أن تلفت نظر وزير أو مسئول مسيحي في تصرفاته الحكومية، لأنه ليس تحت سلطانها، الكنيسة فقط تسأل المواطن المسيحي فيما يختص بإيمانه وعقيدته وسلوكه الروحي، إن ذلك يؤدى إلى أن تكون حرية المواطن المسيحي مكفولة في التصرف وإبداء الرأي والاشتراك في كل ما يخص وطنه في كل الأمور دون أن تكون الكنيسة مسئولة عن تصرفه، ودون أن تكون الكنيسة مسئولة عن تقصير أبنائها في أدائهم الواجب الوطني، ودون أن توحي الكنيسة لأبنائها بالتزام خطة معينة بسلوك تصرف معين تجاه الدولة حتى لا تكون الكنيسة مسئولة أمام السلطان الزمني عن تصرف زمني، لأن مسؤولية الكنيسة فقط أمام المسيح وهى مسئولة فقط عن تصرفها الروحي .

وباختصار يقول متى المسكين : إن وطنية المسيحي وكل ما يتعلق بها من تصرفات خاصة وعامة سواء في الاجتماع أو الاقتصاد أو السياسة إنما تنبع من كيان المواطن لا من كيان الكنيسة، لأن الدولة هي المسئولة في النهاية عن وطنية المواطن المسيحي لا الكنيسة أو رجال الدين .

إذا لم تكن تلك هي مهمة الكنيسة فما مهمتها على وجه التحديد ؟

إن صوت "متى المسكين" يصل إلينا من صومعته في وادي النطرون خافتا خاشعًا، ولكنه صوت واضح ومحذر، إنه يريد أن ينقذ الكنيسة من الخطر الذي يتهدد مصيرها إذا ما نسيت رسالتها الأصلية، إذا ما نسيت أن أخطر عدو يهدد كيانها بالانحلال هو أن يهتم القائمون على أمرها بموضوع آخر غير خطيئة الإنسان فيتركوا دعوة المسيح للخطاة، وهى التي كانت مهمته العظمى لينشغلوا بالإنسان من جهة حياته الاجتماعية، إن ذلك في رأيه ليس فقط خروجًا على المسيحية، ولكنه مقاومة لها .

كيف ذلك ؟ مرة أخرى يعيد "متى المسكين" على مسامعنا صوت بولس الرسول "صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم : أنا" !

إن الأمر في رأيه وفى رأى بولس الرسول بالغ الخطورة، لأن الذين يحاولون أن يخرجوا الكنيسة عن مهمتها إنما يفعلون ذلك لعدم قدرتهم على الكرازة بالتوبة لتجديد الإنسان وخلاصه، لأن الخسارة التي سوف تجنيها الكنيسة من جراء ضم مواضيع جديدة للكرازة سوف تنتهي أخيرًا بانطفاء سراج المناداة بالتوبة لخلاص الخطاة .

إن القائمين على الكرازة فقدوا الطريق الموصل إلى قلب الإنسان، فأخذوا يدورون في متاهات جانبية بعيدة تمامًا عن مهمة الكنيسة، بل لقد ضيع هؤلاء بموقفهم، ذلك المفتاح المقدس الذي سلمه الرب يسوع إلى الكنيسة ليدخلوا به إلى قلوب الخطاة ، لأن المفتاح الكبير الذي سلمه الرب إلى الكنيسة هو أن تفتح ملكوت السماوات للخطاة ولكنها ضيعت المفتاح عندما انشغلت بأموال الدنيا وتلاهت عن خلاص الخطاة بمهمة أخرى .

إن هؤلاء ينسون أن المسيح لم يخلط أبدًا بين مملكة الله ومملكة الدهر، لأن محاولة الكنيسة الاهتمام بالأمور الزمنية باسـم المسيح هو بمثابة تنصيب المسيح ملكاً على الأرض، كما أن تقوية سلطان الكنيسة بدعوى المطالبة بحقوق الجماعة هو رجعة لإقامة "ملك المسيا" كما يحلم به اليهود .

إنه فيما لو صُـفى فكر الكنيسة من كل أطماع الدنيا، وفيما لو نفضت عنها كل الحقوق المطلوبة والحقوق المسلوبة، حينئذ ستذكر الكنيسة قول سيدها "مملكتي ليست من هذا العالم"، ستتذكر أن التوبة ينبغي أن تكون شغل الكنيسة الشاغل لأنها رسالتها، فإذا رفعنا المناداة بالتوبة عن اختصاص الكنيسة لانشغالها بأمور زمنية أخرى لا يبقى للكنيسة من عمل آخر ، لأنه ما من عمل يتم في الكنيسة إلا وأساسه في الأصل "تكميل التوبة لضمان الخلاص" .


Doubleposting merged automatically to prevent flooding
Done by ”MARED”, an AI Robot



(3)

هناك جانب آخر عالجه الخطاب القبطي هو التقارب الكبير ما بين المسيحية والإسلام الذي عبرت عنه الآية «وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ» (المائدة: ٨٢)، فضلاً عن علاقات حدثت في الأيام الأولى للإسلام تمثلت في هجرة المسلمين إلى الحبشة، لأن ملكها لا يُـظلم عنده أحد، وقد كان النجاشي مسيحيًا، ومثل اتفاق نصارى نجران الذي يمكن أن يعد اللقاء الأول ما بين الإسلام والمسيحية.

فقد كان لنصارى نجران (في اليمن) شأن كبير، وعندما ظهر الإسلام أرادوا مباهلته (أي إجراء مناظرة معه)، فأرسلوا وفدًا منهم استقبله الرسول بنفسه وآواهم في المسجد وجعلهم يقيمون الصلاة فيه، فلما عادت فكرة المباهلة تغير اتجاههم، فقالوا للمسلمين: «ألستم تقولون إن المسيح بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الله أيده بروح القدس»، فقالوا: نعم، فقالوا: حسبنا هذا وتصالحوا معهم.
هذه المعاني التي تراءت لنصارى نجران في عهد رسول الإسلام، تراءت مرة أخرى لاثنين من الكهنة المسيحيين، أولهما: الإيغومانس إبراهيم لوقا، راعى الكنيسة الأرثوذكسية بمصر الجديدة، في كتابه «الإسلام والمسيحية» الذي صدر سنة ١٩٣٨، والثاني: الأسقف غريغوريوس، أسقف علم الدراسات اللاهوتية، الذي نشر في «الهلال» عام ١٩٨١، وما بين الأول والثاني قرابة خمسين عامًا.

ويقول القس إبراهيم لوقا: يظن الكثيرون أن الإسلام يطعن في المسيحية ويحارب عقائدها، وهذا الظن منشؤه في الحقيقة عدم الإلمام بما يذكره الإسلام عن المسيحية. وأن الباحث المدقق في جميع الأقوال التي أوردها القرآن عن النصرانية والنصارى ليتضح له أمران:

أولهما: أن نبي الإسلام قد حفظ للديانة المسيحية مركزها، وأيد جلالها، وأثبت صحة الكثير من تعاليمها، ونادى بوجوب تقديس أوامرها والعمل بها، واحترام كتبها المنزلة، فكان بذلك شاهدًا لها، ومؤيدًا لصدقها.

ثانيهما: أن القرآن لم يهاجم المسيحية التي أسسها المسيح ونشرها رسله القديسون، ولكنه هاجم بدعًا خاصة، كانت قد ظهرت عند ظهوره، ونادت بتعاليم لا تقرها المسيحية، فحاربها كما حاربتها المسيحية من قبل ومن بعد.

يقول القس إبراهيم لوقا: * جاء في سورة النساء (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) (النساء ١٧١). وفى هذه الآية ست نقاط نحب أن نلم بها إلمامة وجيزة:

الأولى: النهى عن الغلو في الدين.

الثانية: إن المسيح رسول الله.

الثالثة: إن المسيح كلمة الله وروح منه.

الرابعة: النهى عن القول بثلاثة آلهة.

الخامسة: التعليم بوحدانية الله تعالى.

السادسة: التعليم بأن الله ليس له ولد.

ونحن نعلن هنا أننا نوافق القرآن في كل ما ذكره في هذه الآية نقطة نقطة (انتهى الاقتباس من كلام القس إبراهيم لوقا).

وجاء في مقال الأنبا غريغوريوس، أسقف عام الدراسات اللاهوتية العليا والثقافة القبطية والبحث العلمي: «لعله مما يخدم قضية الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين، وهم أبناء بلد واحد، مصر الحبيبة ذات الحضارة التليدة، بل منبع الحضارات وملتقى الديانات، أن يتبين أبناء هذا البلد الأمور التي تجمع بينهم روحيًا وعقائديًا مما يدعم المحبة بينهم ويوطد وشائج المودة، ويقوى أواصر الوحدة فيجعل منهم أمة لا تدحر، صلبة لا تقهر.

ليست هذه دعوة إلى نبذ الخصائص المميزة للإسلام أو للمسيحية، ولا هي مناداة بنوع من الميوعة الدينية العقائدية معاذ الله فما قصدنا إلى شيء من هذا!

إنما جل قصدنا أن نهدئ من حرارة حمى الخلافات العقائدية بين الإسلام والمسيحية حتى لا يتصاعد منها بخار خانق لمحبتنا، ونحن أبناء عائلة واحدة، ويتحول إلى غمام قاتم يحجب رؤيتنا لما يجمع بيننا في الواقع من أصول واحدة مشتركة عزيزة على جميعنا.

فهل هناك من شك في أن المسيحية والإسلام يدعوان إلى عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يكن له كفوا أحد، الذي ليس كمثله شيء، السميع البصير الغفور الرحمن الرحيم، القوى العزيز رب العرش الكريم، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وأنهما يأمران بالخير والمعروف وإقامة الصلاة، وينهيان عن الفحشاء والمنكر والبغي والإثم والعدوان؟

أليس الإسلام والمسيحية يأمران بإكرام الوالدين ويناديان أن اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحساناً؟

في كل أولئك يلتقي المسلمون والمسيحيون، يؤمنون بالله واليوم الآخر، يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة، ويرجون الله واليوم الآخر.

والمعروف أن الإسلام دين توحيد، والدعوة الإسلامية دعوة للإيمان بالله الواحد، وعبادته وعدم الإشراك به، وما أكثر النصوص القرآنية التي تدعو إلى التوحيد صراحة، كذلك المسيحية دين توحيد.

فقانون الإيمان الذي يردده جميع المسيحيين في صلواتهم الخاصة والعامة ويتلونه في كل خدمة دينية وفى كل قداس، وفى كل صلاة من الصلوات اليوميـة، باكرًا ونهارًا وعشـية، ويرنمونه ترنيمًا، ومنذ القدم، واليوم، وإلى الأبد، فيقولون في مطلعه «بالحقيقة نؤمن بإله واحد».

والمسيحيون يؤمنون وينادون بأن الله واحـد، ولا يمكن إلا أن يكون واحـدًا، ويقولون: إذا كان هناك إله آخر غير الله، فما عمل هذا الآخر، وما هو اختصاصه؟ لأنه مادام الله غير محدود وغير متناه فلا مجال لإله آخر، لأن وجود هذا الآخر يتعارض مع صفة اللانهائية واللامحدودية، فوجوده إذن يملأ كل مكان، ولا يخلو منه مكان.. فكيف، ولماذا، وأين يوجد الإله الآخر؟ وهل هذا الآخر هو في الكون أم خارج الكون؟

فإذا كان في الكون، فهل هو في مكان في الكون، أم في مكان دون مكان؟ فإذا كان في كل مكان فهو شريك مع الله في وجوده، وبذلك يصبح وجود الواحد منهما فضلة زائدة مع الآخر، فإذا كان الآخر كائناً في مكان دون مكان، فيترتب عليه أن يكون كل منهما محدودًا في المكان، وهذا يتعارض مع كونه الإله الحقيقي الكائن في كل مكان ولا يخلو منه مكان.

ثم لما كان الله قادرًا على كل شيء فلماذا يكون ثمة إلـه آخر، وما هو إذن عمل هذا الآخر؟.. هل يأخذ هذا شيئًا من اختصاص الله؟

لو كان الأمر كذلك لترتب عليه أن يكون الله غير قادر على كل شيء، أو يكون قادرًا على أشياء دون أشياء، لأن هذه الأشياء تدخل في اختصاص الإله الآخر المزعوم.

وهكذا يمكن منطقيًا وعقليًا رفض القول بأكثر من إله واحد، واعتباره محالاً، لا يقبله ولا يسيغه.

ولقد كتب آباء الكنيسة المسيحية إلى الوثنيين قديمًا، يثبتون لهم بالدليل العقلي أن الله واحد، ولا يمكن إلا أن يكون واحدًا، وأن القول بأكثر من إله أمر لا يقبله العقل، وكان لابد لآباء الكنيسة أن يكتبوا للوثنيين مدافعين عن عقيدة التوحيد، بالدليل العقلي والمنطقي لأنهم لا يؤمنون بالكتب المقدسة.

وقال المسيحيون إن «الواحد» هو أصل الوجود، عليه يقوم كل شيء، وإليه يرتد كل شيء، ومنه يتركب ويتكون كل الوجود، ولا يوجد قبل «الواحد» شيء، فهو الأصل، أو هو أصل الوجود، وإذن فالواحد هو الله والله واحد، ولا يمكن إلا أن يكون واحدًا، ولا يوجد غير إله واحد.

وأضاف المسيحيون إلى الأدلة العقلية والمنطقية التي واجهوا بها الوثنيين أدلة أخرى اقتبسوها من أسفارهم المقدسة، وكانوا ومازالوا يبرزونها للمؤمنين من المسيحيين، ولغير المسيحيين ممن يسألونهم عن أسانيدهم في اعتقادهم بوحدانية الله.

فقد قال الإنجيل المقدس:
* (للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد) «متى ٤: ١٠»، «لوقا ٤:٨».
* (فمن يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله الواحد وحده؟) «مرقس ٢:٧»، «لوقا ٥:٢١».
* (ليس صالحاً إلا واحد هو الله) «مرقس ١٢:٢٩»، «متى ٢٢:٣٧، ٣٨»، «لوقا ١٠:٢٧».


Doubleposting merged automatically to prevent flooding
Done by ”MARED”, an AI Robot



(4)

يواصل الأسقف غريغوريوس كلامه فيقول:
■ (إن الله واحد، ليس آخر سواه) «مرقس ١٢:٣٢».
■ (كيف يمكنكم أن تؤمنوا وأنتم تقبلون المجد بعضكم من بعض وأما المجد الذي من الله الواحد وحده، فلا تبتغونه) «يوحنا ٥:٤٤».
■ (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك) «يوحنا ١٧:٣».
■ (لأن الله واحد) «رومية ٣:٣٠».
■ (للجميع رب واحد) «رومية ١٠:١٢».
■ (لا إله إلا واحد) «١. كونثوس ٨:٤».
■ (لنا إله واحد) «١. كورنثوس ٨:٦».
■ (الله واحد الذي يعمل الكل في الكل) «١. كورنثوس ١٢:٦».
■ (اهتديتم إلى الله، وتركتم الأوثان، لتعبدوا الله الحي الحقيقي) «١. تسالونيكى ١:٩».

أما التثليث المسيحي فلا يتعارض مع الإيمان والتوحيد.

فالمسيحيون يؤمنون بإله واحد، أحادى الذات، مثلت الأقانيم والخاصيات.

فالتوحيد للذات الإلهية، وأما التثليث فللأقانيم، والأقانيم خاصيات وصفات ذاتية بها تقوم الذات الإلهية.

فالله الواحد هو «أصل» الوجود، ولذلك فهو «الأب» والأب لفظة سامية بمعنى «الأصل».

والله الواحد هو «العقل» الأعظم، ولما كانت المسيحية تنادى بأن الله قد ظهر وتجلى في المسيح، على نظير ما ظهر للنبي موسى في العليق وتجلى في المكان دون أن يحدده المكان، لذلك كان المسيح هو «الكلمة». قال الإنجيل: «في البدء كان الكلمة»، والكلمة تجسيد «للعقل»، فإن «العقل» غير منظور، ولكنه يظهر في «الكلمة»، وهو أيضًا «الابن» لا بمعنى الولادة في عالم الإنسان بل إنه «صورة الله غير المنظور» «كولوسى ١:١٥».

والله الواحد هو «الروح» الأعظم، وهو «أبو جميع الأرواح»، ولهذا فهو «الروح القدس»، لأن الله قدوس.

وعلى ذلك فإيمان المسيحيين بالتثليث لا يتعارض مع إيمانهم بالتوحيد، لأن التثليث ليس تثليث ذوات، ولكنه تثليث أقانيم، والأقانيم صفات نسبية، والصفات والخاصيات الذاتية ما تقوم به الذات.

وعندهم أن الله الواحد كائن بذاته ناطق بكلمته، حي بروحه.

ولذلك يقولون في البسملة «باسم الأب والابن والروح القدس، الإله الواحد».
انتهى بحث الأسقف غريغوريوس.

وعندما أثيرت قضية تطبيق الشريعة وعارضت الكنيسة ذلك بصورة رسمية، كما سيرد فيما سيلي، فإن كاتبًا قبطيًا بارزًا هو الأستاذ سامي داود رفض أن يطبق حد السرقة على مسلم دون قبطي، وقال: «بأي ضمير قضائي سيحكم القاضي (المسلم) على السارق المسلم بإقامة الحد الإسلامي الذي يقضى بقطع يده، ثم يحكم في اليوم التالي على سارق مسيحي بالسجن بضعة أشهر أو بضع سنوات! وكيف سيتقبل الناس هذا الوضع، وماذا يمكن أن يكون له من آثار!!.

واستطرد سامي داود قائلاً: «إن ما يتضمنه القانون المدني والمصري من مواد تستند إلى الشريعة الإسلامية وأهمها وأخطرها على علاقات الأسر والأفـراد قانون المواريث مثلاً، إنه يطبق على الجميع، فهل شكا أحد من ذلك، فلماذا في النواحي الجنائية يصبح لنا قانونان، وكأننا شـعبان ؟!! هذه أسئلة أثيرها وأنا أطالب بوحدة التشريع أيا كان مع اعترافي بأني لا أستطيع أن أجزم بسلامة ما أطالب به، وأكاد أطالب، بل أرجو أن يردني من يستطيع أن يجزم وأن يوجهني بالرأي المقنع إلى الصواب.

وختم سامي داود مقاله هذا: «في سبيل مصر، ووحدة شعبها الوطنية، كتبت ما أكتب وليغفر لي من يراني أخطأت، وليجنبنا الله جميعًا مسالك الخطأ وليرشدنا إلى طريق الصواب».

واستطلع الكاتب الصحفي الأستاذ جمال بدوى رأى كاتب صحفي متخصص في الشؤون الكنسية أن يبدى وجهة نظره في قضية تطبيق الشريعة هو الأستاذ صادق عزيز، فكتب مقالاً جاء فيه: هل هو حق موقف أقباط مصر من المطالبة بألا يتضمن الدستور نصًا على أن «مصر دولة إسلامية ؟»، هل هو حق موقفهم من ألا تكون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريعات والقوانين في الدولة؟ هل هو حق موقفهم من المطالبة بألا تسرى الأحكام الإسلام إلا على المسلمين، أما الأقباط فلا تسرى عليهم؟

أسئلة لا محل لها من الإعراب، وأجوبة بالتالى لا محل لها من التفكير أو حتى مجرد أن تخطر على البال، أسئلة تنقصها الحكمة وإجابة تفتقد إلى الصواب، ولا أقول ذلك مناوئاً للمسيحية، ولا منافقاً للإسلام، وإنما أقول من واقع المنطلقات العقلانية.. والقانونية.. والأهم من ذلك المسيحية.

أولاً: فالمطالبة بعدم النص في الدستور على أن مصر دولة إسلامية هي مغالطة للواقع والتاريخ، فلا أحد يستطيع أن ينكر أن مصر فعلاً مثلها مثل باقي الدول الإسلامية والتي أصبحت تمثل نحو ثلث العالم، دولة إسلامية منذ دخلها الإسلام ولم ترتد عنه سلمًا أو حربًا منذ أكثر من (١٣٠٠) سنة، مصر إسلامية منذ أن دخلها عمرو بن العاص، يومها كان المسلمون هم الأقلية، وكان الأقباط هم الأغلبية، ومع ذلك كانت إسلامية، وكنا نعيش في ظل الإسلام وفى أمنه وإيمانه، ولعل البابا بنيامين لم يصدر صرخته المشهورة «استقبلوا عمرو» إلا بعد أن «كفر» بحكم الرومان المسيحيين لمصر، لما لاقاه «الأقباط» على أيديهم من وسائل التعذيب والقتل والتشريد.

ولعلى أستطيع أن أقولها صريحة إن مصر في تاريخها لم تكن أبدًا «قبطية» حتى من قبل الإسلام، فهي تقع دائما تحت الحكم الروماني أو البيزنطي أو المقدوني، أما الحكم القبطي فلم نسمع عنه أبدًا، إذن لماذا نأتي اليوم ونرفض أن يكون هناك نص على أن الدولة «إسلامية»، ثم ماذا يضيرنا في هذا، خاصة إذا كنا نعرف أن المسيحية عاشت في سلام مع الإسلام وتعايشت معه أكثر من (١٣٠٠ عام).

وقد يقال إن معظم دول العالم خاصة المسيحية منها لم تعد تمزج بين الدين ونظام الحكم، أخذا بمبدأ الدين للديات والدولة للجميع، والرد على ذلك واضح علميًا وعمليًا، فكل الدول التي ابتعدت عن الدين في دساتيرها وقوانينها فقدت كل سماتها وصفاتها وأخلاقياتها..

وانتشرت فيها الإباحية والإلحادية، وأصبحت معظم هذه الدول نفسها تتوق إلى العودة للدين وتقاليده وترنو إلى تطبيق شرائعه وتعاليمه حتى تستعيد توازنها. هل نريد من أجل إرضاء الأقلية المسيحية، أن تنكر الأغلبية إسلاميتها؟ ولماذا؟ وإذا كان المسيحي تحت ضغط أو حتى إرهاب أو تخويف لا يمكن أن ينكر مسيحيته، عملاً بقول السيد المسيح: «ولكن من ينكر قدام الناس أنكره أنا أيضًا قدام أبى الذي في السموات» (ت ١٠: ٣٣).

فلماذا إذن نقبل لغيرنا ما لا نقبله لأنفسنا؟ ولماذا لا نسمع قوله له المجد: «أقول لكم إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السماوات، وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان» (ت ٨:١١– ١٢)، وقوله «من يقبل نبيا باسم نبي.. فأجر نبي يأخذ، ومن يقبل بارًا فأجر بار يأخذ» (ت١٠–٤٠).

يواصل الأستاذ عزيز صادق كلامه فيقول: ننتقل إلى النقطة الثانية وهى الاعتراض على أن تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريعات والقوانيـن في الدولة.

والسؤال الآن: ماذا يخيفنا من ذلك؟ في رأيي الشخصي أنه فيما عدا ما يتعلق بالأحوال الشخصية، فإن أحكام الشريعة الإسلامية لا تتعارض إطلاقاً مع المسيحية، وذلك لعدة أسباب أهمها:

(١) إنه إذا كانت الدولة إسلامية فالقوانين الوضعية يجب أن تكون إسلامية، وعلينا قبول ذلك بل والترحيب به عملاً بقول السيد المسيح «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله».

(٢) إن أحكام الشريعة الإسلامية تنطبق في كثير من الأحيان مع شريعة العهد القديم، وهى ما جاء المسيح لا لينقضها، بل ليكملها.

(٣) إن المسيحية لم تأت بأحكام وقوانين وضعية عملا بقوله «مملكتي ليست في هذا العالم» ومن ثم ترك للحكام أو لقيصر وضع الأحكام الأرضية، وأمرنا بأن نعطى ما للحكام للحكام.


Doubleposting merged automatically to prevent flooding
Done by ”MARED”, an AI Robot



(5)

يواصل الأستاذ عزيز صادق حديثه:

(٤) إنه فيما عدا الأحوال الشخصية، فإن أحكام الشريعة المسيحية لا تصلح إطلاقاً لأن تكون أحكام قوانين وضعية ولا حتى في الفاتيكان نفسها، بل ولا في المقر البابوي لبابا الإسكندرية نفسه، ولا أيضاً في أعماق الأديرة الضاربة في أعماق الصحراء، فلا يمكن أن نضع قانونا وضعيًا في أي دولة يسمح لمن ضرب بأن يحول لضاربه خده الآخر ليضربه مرة أخرى!

ولا يمكن أن نضع قانوناً وضعيًا يدعو الناس لئلا يفكروا فيما يأكلون ولا ما يشربون ولا ما يلبسون، وأن يطلبوا ملكوت الله وبره فهنا كلها تزداد لهم!، ولا يمكن أن نضع قانوناً يسمح بالمغفرة للقاتل والسارق والزاني والزانية والمعتدى والنصاب والمحتال، عملاً بقول السيد المسيح: «لا تدينوا لكي لا تدانوا»، أو عملاً بقوله للزانية: «هل أدانك أحد ولا أنا أيضاً أدينك».

إذن فإذا سلمنا بأن المسيحية لم تضع أي أحكام وقوانين وضعية وأن أحكامها الروحية لا تصلح لأن تكون أحكاما تنظيمية على الأرض، وإذا سلمنا بأن المسيح اعترف بذلك شخصياً في قوله: «مملكتي ليست في هذا العالم»، وأنه أحال هذا الأمر إلى الحكام في قوله: «أعطوا ما لقيصر لقيصر»، بل إنه قَبِل بأن يحاكم أمام الحاكم «بيلاطس البنطي»، ويعلمنا الإنجيل أن الحاكم كان عادلاً حتى إنه قال: «إني بريء من دم هذا الرجل». وغسل يديه.

نقول إننا إذا سلمنا بكل هذا، فأي شريعة نطلب نحن أقباط مصر أن تسرى في مصر، إذا كنا نرفض الشريعة الإسلامية كشريعة دين ودنيا؟ هل ننادى بنفس شريعة موسى التي قال عنها المسيح عشرات المرات إن «موسى ما قال هذا أو صنع إلا لقساوة قلوبكم»، فهل نريد أن نعود لعصر اليهود بقساوة قلوبهم وغلاظة رقابهم؟

ثم فيم سنختلف حول أحكام الشريعة الإسلامية؟ يتساءل صادق عزيز ثم يجيب:
(٥) هل في قواعد الإرث والتوزيع، وللذكر مثل حظ الأنثيين؟، إن المسيحية لم تأت بأي أحكام في هذا الموضوع، فإذا بحثنا عن أحكام تتناسب والدين المسيحي فلن نجد أفضل من الشريعة الإسلامية، فالمسيح أيضاً فضّل الذكر على الأنثى، بدليل أنه أسلم أمه إلى «يوحنا» ليرعاها، ولم يتركها حتى لأختها مريم، وبدليل أن المسيح أقام كنيسة على صخرة «بطرس»، ونشر دعوته على معجزات (١١ تلميذاً ولسان ٧٠ تلميذاً آخرين).

وقد يقال إن الإسلام لا يحترم رغبة الموتى في الوصية، وأن «الوصية» إذا تعارضت مع أحكام الشريعة الإسلامية لا يؤخذ بها، وهذا هو ما فعله السيد المسيح تمامًا، فهو لم يحترم أبداً رغبة ميت، بل إنه قال: «دعوا الموتى يدفنون موتاهم»، ورفض أن يتخلف عنه تلامذته ليشاركوا في دفن ميت!، أكثر من ذلك نرى أن المسيح حين أحيا الموتى وأقامهم من القبور لم يقمهم حباً في الموتى، ولكن من أجل إيمان أقاربهم وأهلهم «الأحياء»، والإنجيل يعطى عشرات الأمثلة على ذلك.

وقد يقال إن حد السرقة في الإسلام هو قطع اليد، وأتساءل وهل هذا يتعارض مع المسيحية؟ انظروا إلى قول السيد المسيح: «إذا أعثرتك يدك فاقطعها، فإن تدخل ملكوت السموات بيد واحدة خير من أن يُلْقَى بجسدك كله في النار».

الأمثلة كثيرة.. ومن يقرأ الإنجيل ويقرأ القرآن والتوراة فسيجد فيها لنفسه حياة، وكلها تؤدى إلى طريق واحد.. طريق الصواب والثواب.

فليثبت الأقباط إن كانوا لا يعلمون (كتاب الوحدة الوطنية بديلاً عن الفتنة الطائفية، تأليف الأستاذ جمال بدوى، من ص ٢٩٣-٢٩٨).

ومن أكثر نماذج الخطاب القبطي تمثيلاً للمودة ما كتبه الأب يوحنا قلتة، نائب البطريرك الكاثوليكي، عن الرسول والإسلام بمناسبة رمضان بعنوان: «رمضان كريم.. تأمل مسيحي».

وجاء في هذا المقال: «أحاول أن أخترق الحاجز التاريخي، حاجز الصمت والخوف، حاجز الجهل وثماره التعصب والخصام، أغامر لكي أعبر فوق أوهام لا تمت للحقيقة بصلة سكنت في وعى أو في لا وعى الشرق وفى الغرب، واستوطنت أعماقه، ولا يزال وجدان البشر، شرقاً وغرباً، مزدحماً بما يشبه صراع العواطف، وممزقاً بأصوات تناقلها التاريخ عبر القرون الطوال، ويا للأحمال الثقال من المغالطات، والتهم الباطلة، والتفسيرات الغبية القاصرة وزيف الشروحات والتحامل على الإنسان الآخر، أحمال ناءت بها عقول المفكرين، وأجهدت ضمائر ذوى الإرادة الصالحة.

ومازال القلق، والخوف، والحساسية والتحفز السلبي أمورًا تحكم رؤية المسلم للمسيحي، ورؤية المسيحي للمسلم، وبنوع خاص مازالت شخصية «الإنسان العظيم» محمد بن عبد الله نبي الإســلام ورسول الحضارة العربية مازالت أكبر من اكتشاف جوانب عظمتها.

أتجاسر وأنا المسيحي العربي أن أقترب في تهيب وفى خشوع من شخصية «الرسول العربي» لا أتمنى أن يظن بي أحد أنى أتنكر لإيماني وعقيدتي، أو يلصق بي تهمة النفاق والعياذ بالله، والله – سبحانه وتعالى – فاحص القلوب والضمائر الذي لا تأخذه سنة من النوم، فكلماتي ليست إلا دعوة إلى الحب والمودة والتفاهم وإقامة حوار إنساني رفيع بين الإنسان والإنسان المختلف عنه.

من أعماق الصحراء العربية الصامتة منذ مئات القرون، فوق الرمال الحارقة، والجفاف القاتل والظمأ الحاد، والجوع الذي يدفع بالقبائل إلى التنقل والتقاتل، من قلب قرية كبيرة، أو مدينة صغيرة أقيمت في قلب الصحراء، أحاطت بها الأساطير واختلطت بالتاريخ والسير.

من أعماق الصمت خرج صوت يؤذن: لا إله إلا الله محمد رسول الله، حدث ذلك في بداية القرن السابع الميلادي، ولد الميلاد الهجري، كانت الصرخة قوية، زلزلت عرش كسرى وعرش قيصر، والتفت العالم الفارسي، والعالم البيزنطي، الشرق والغرب، في غير اكتراث، لم تنصت فارس إلى صوت مقبل من القبائل العربية المتشرذمة، لم تهتم بيزنطة فقد أتتها قبل ذلك أصوات كثيرة من عمق الصحراء العربية، وعرفت كيف تكبتها وتمحو أصداءها.

لم يسمع الشرق أو الغرب، الشمال أو الجنوب عن محمد إلا حين دقت وفوده أبواب الشعوب والملوك لتعلن لهم: جاء دين جديد يقول إنه امتداد وتكملة لمن سبقه، عقيدته أن محمد بن عبد الله بعث للناس نبياً، يحمل ديناً جديداً، ويحمل وحياً منزلاً، لم يكن الأمر مفاجأة، فقد تعودت المنطقة العربية على ظهور مدعين وأنبياء كذبة، لم يكن الأمر يثير هماً للغرب المطحون تحت حكم أباطرة بيزنطة، أو للشرق المطحون تحت صدمات التمزق الديني، وأعتقد أن هذه الشخصية النبوية لم تزل مجهولة شرقاً وغرباً، بل لعلها لم تزل مجهولة لدى المسلمين أنفسهم، فكم بالأحرى عند غير المسلمين.

محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - من أنت يا ذا المهابة والجلال بالنسبة لي أنا المسيحي؟ من أنت يا صانع حضارة نقلت البشرية من عالم إلى عالم وأرست قواعد للدول والشعوب؟

من أنت أيها الآتي من الصحراء من قلب الأمية والجهل؟ من القاع، من سخط الشعوب القديمة، من أسرة فقدت الوالد، من قبيلة عبدت المال والتجارة.

من أنت يا إنسان؟
يا رجل؟
يا رسول؟

أنا مسيحي أؤمن بأن المسيح كلمة الله – الذاتية الناطقة – هو الوحي الكامل، وكمال الوحي، تعلمت هذا وملأ وجداني، لكن أمام «إنسـانيتك» أمام رسالتك، أمام كتاب ربك الذي حملته، أمام تاريخك، أمام ذلك كله لا أجد حرجاً، أو قلقاً، أن أحنى الرأس إجلالاً واحتراماً، حباً وانبهارًا، لا يا سيدي، لا ينكر من فضلك وسموك إلا جاحد أو جاهل، دعني يا سيدي في شهر رمضان، أرفع إلى مقامك السامي، حباً وإكراماً، لأنك إنسان، حملت كل سمو إنسانية الإنسان، لأنك رسول بعثت لتنقل المجتمع من حال إلى حال، لأنك صاحب حضارة، لأنك قدوة للحكم، للمنتصر وللمنهزم، للقوى والضعيف، لأنك إمام المؤمنين بالله الواحد وباليوم الآخر.

سيدي نبي الإسلام، رسول الحضارة، تقبل حباً وإجلالاً من مسيحي في الشهر المبارك».. انتهى.

فإذا كان هذا الخطاب يعد تمثيلاً صادقاً للخطاب القبطي الذي يتسم بالمحبة والود، فإن الآثار التي أثارها تبرز أن روح الخصومة التي لم تظهر وقتئذ إلى الخطاب القبطي كانت كافية، والله إن هذا الخطاب أثار هجومًا كاسحًا عليه.

بدأ الهجوم كاسحًا على المقال وعلى الدكتور الأنبا يوحنا قلتة في قبرص، حيث كان يعقد مجلس كنائس الشرق الأوسط الذي كان يحضره هو أيضاً.. وهناك قام أحد أساقفة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وقيادة كبيرة تتولى منصباً مهماً.. بتصوير المقال عشرات المرات وتوزيعه على الحاضرين..

ثم قام بإعداد بيان يطلب فيه عزل الأنبا يوحنا في صيغة تصفه بـ«الخارج على المسيحية»، إلا أنه فشل في إقناع أي من الأساقفة الحاضرين في التوقيع على مثل هذا البيان.. الذي أعاد إلى أذهانهم عصور الانشقاق الأول في المسيحية، التي لا تزال تعانى منها المسيحية حتى الآن.


Doubleposting merged automatically to prevent flooding
Done by ”MARED”, an AI Robot



(6)

على الرغم من كل ذلك لم يمنع هذا الرفض من قِبَل الأساقفة أن يثور هذا الأسقف ويتهم الأنبا يوحنا قلتة بالكفر والخروج عن المسيحية.

وبالطبع لم يكن هو الوحيد الذي صدر منه هذا، ففي الوقت نفسه كانت هناك معركة أخرى مشتعلة داخل مصر بين التيار المسيحي السلفي المتعصب الرافض للمقال من جانب، والتيار المستنير الذي لا يجد أي مساس بالعقيدة أو الإيمان المسيحي في المقال نفسه من جانب آخر.

وكعادتهم لم يشأ أقباط المهجر أن يكونوا بعيدين عن الساحة، خاصة بعد انحسارهم الأخير بسبب طلبهم التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية لمصر بحجة الدفاع عن الأقباط! فجاءتهم الفرصة للعودة مرة أخرى لفرض وصايتهم على الأقباط في مصر.. وانهالت الفاكسات التي تكفر الأنبا يوحنا قلتة إلى كل الهيئات والمؤسسات القبطية في مصر، وكذلك إلى الأنبا يوحنا قلتة نفسه.. وقادت هذا الهجوم إحدى هيئات أقباط المهجر في إنجلترا من ناحية، والدكتور سليم نجيب أحد قيادات أقباط المهجر في كندا من ناحية أخرى.. في اتهام علني له بالخروج على العقيدة المسيحية.. بل وصل الأمر إلى اتهامه بأنه ارتد عن المسيحية إلى الإسلام!.

فهل يعتبر اختراق الكاتب لحاجز التاريخ – كما يقول هو في مقدمة المقال – في محاولة للعبور فوق أوهام لا تمت للحقيقة بصلة، سكنت في وعى أو لاوعي الشرق أو الغرب واستوطنت أعماقه، خاصة في وجدان البشر شرقًا وغربًا لا يزال مزدحمًا بما يشبه صراع العواطف.. ممزقًا بأصوات تناقلها التاريخ عبر القرون الطويلة، محملا بالأثقال من المغالطات والتهم الباطلة والتفسيرات الغيبية والتحامل على الإنسان الآخر.. فأصبح الخوف والحساسية والتحفز السلبي أمورًا تحكم رؤية المسلم للمسيحي ورؤية المسيحي للمسلم.

لقد أراد الكاتب أن «يخترق حاجز التاريخ» فكان جديراً بالتشجيع لأنه أراد العودة إلى الحقيقة وإزالة الأكاذيب التي نالت من الرسول وكانت سببا في التاريخ القديم – في الحروب الصليبية – كما كانت في التاريخ الحديث سببا في الجفاء بين المسلمين والمسيحيين.

والأغرب أن يتولى دعوى التكفير أحد رجال الكنيسة الأرثوذكسية المصرية التي يعيش الأقباط فيها في ظل الإسلام الذي حرر الأقباط من الاضطهاد البيزنطي وأعاد للكنيسة استقلالها وكيانها.

فهل هناك فجاجة أو حماقة مثل هذه؟!
***
في عام ١٩٧١ وقعت ثلاثة أحداث مهمة:

كان أول هذه الأحداث تولى الرئيس السادات الحكم بعد وفاة عبد الناصر.

وكان ثاني الأحداث (٢٩ أكتوبر ١٩٧١) انتخب الأنبا شنودة بطريركاً بفضل القرعة الهيكلية، لأن نتيجة التصويت على المرشحين الثلاثة كانت الأنبا صموئيل ٤٤٠ صوتاً، الأنبا شنودة ٤٣٤ صوتاً، القمص ثيموثاوس ٣١٣ صوتاً.

وأخيراً، ظهور الجماعات الإسلامية التي تؤمن بالعنف وتستلهم فكر المودودي وسيد قطب.

وقد انتخب السادات في هدوء تام لأنه كان نائباً عن الرئيس، ولأن المجموعة الناصرية التي كانت تستحوذ على السلطة اعتقدت أنه سيكون آلة في يدها، وأنها ستوجهه حيث تشاء وكانت مجموعة كريهة قميئة مجردة من المواهب، منتفخة الأوداج بالسلطة، كان في أيديها كل شيء الجيش، الداخلية، الاتحاد الاشتراكي، الإعلام، صورت لهم حماقتهم أنهم لو استقالوا جميعًا فسيحدث خلل دستوري، ولكنهم لم يكد يفعلون حتى كان السادات لهم بالمرصاد فاعتقلهم جميعًا فيما سمى بحركة التصحيح (١٥ مايو) وخلص منهم وسط تهليل الشعب.

ولكن السادات وإن كان قد اعتقلهم إلا أن هذا لم ينف أنه لم تكن له قاعدة في الشعب، لأن الاتجاهات الشعبية كانت قسمة بين الناصريين واليساريين وهما معًا يرفضانه، فكانت القاعدة كلها ضده، وتصور السادات أنه إن أطلق شباب الجماعات الإسلامية ــ خاصة في الصعيد ــ فإن هؤلاء سينقضون على المجموعات اليسارية والناصرية.

وقام شباب الجماعات الإسلامية بالفعل بالمهمة المطلوبة وقضوا على فلول اليساريين والناصريين، ولكنهم وقد تذوقوا النصر ما كان يمكن أن ينتهوا، وكانت فلسفتهم «عدوانية» الطابع تؤمن بالعنف وسيلة لأن الذين يخالفونهم كفار أو أقرب إلى الكفار، فضلاً عن وجود خلاف عميق مضمر بينهم وبين السادات وقتئذ، فقد كانوا يؤمنون بالدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة، بينما كان السادات يرفض أي جمع للدين والسياسة، وعندما أخذ يكرر بطريقته الخاصة: «لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين»، فإنهم اغتالوه في مشهد دراماتيكي فريد.

ولم يكن السادات هو الضحية الوحيدة للجماعات الإسلامية لأنها كانت قد قتلت الشيخ الذهبي، وهو شيخ أزهري جليل اختطفته جماعة التكفير والهجرة وأرادوا من الدولة فدية لإطلاق سراحه، وعندما رفضت الدولة قتلوه بيد باردة، ولم يقف أثر الجماعات الإسلامية عند هذا، فقد أفتى لهم فقهاؤهم بـ«حلية» اغتصاب أموال بعض الصاغة الأقباط، فضلاً عن أن فكرهم المعروف عن الولاء والبراء كان يملى عليهم كراهية الأقباط والنيل منهم.

وظهرت أولى نتائج قيام هذه الأحداث الثلاثة فيما سمى بحادثة الخانكة التي صورها كاهن قبطي هو القمص أندراوس عزيز في كتابه «الحقائق الخفية عن الكنيسة القبطية» (ص ٢٠٨): «لقد عشـنا سـويا مسلمين ومسيحيين على ثرى هذا الوطن، آلاف السنين معا في السراء والضراء، على الحلوة والمرة، يدا واحدة، والخلافات إذا وجدت بين الإخوة تصفى أيضًا بين الإخوة، دون أن يسمع الغريب».

ولكن حدث شيء غريب لم يحدث مثله في تاريخ الكنيسة، وليس له شبيه.. في حادثة «الخانكة» عام ١٩٧٢، أن يأمر رئيس الكنيسة الكهنة ويقول لهم: «أنتم كم؟ مائة وستون، عايزكم ترجعوا ستة عشر كاهناً، والباقي يفترشون الأرض افتراشاً ويستشهدون»، حتى أجابه أحد الكهنة: (لماذا لا تأتى معنا يا سيدنا علشان تستشهد أولنا؟).

وهذه واقعة توضح ــ إن صحت ــ كيف أن رئيس الكنيسة بدلا من أن يطفئ نار الفتنة فإنه يضرمها وينفخ فيها..

ولماذا هذا؟!

«... هو أن يموت عدد من الكهنة والشعب في احتكاك مفتعل ومثير وعن طريق زبانيته القلائل المعتصمين في الخارج يأخذونها ذريعة للدعاية ضد الوطن وإثارة الرأي العام العالمي بدعوى أن المسلمين يقتلون المسيحيين».

إن الاستشهاد في العصور الأولى للمسيحية معنى جميل، أن يموت المسيحي لأجل مبدأ أنه مسيحي في عالم وثنى لا يعترف بالمسيحية ويحظرها.. وقد انتشرت المسيحية وانتهى عهد الاستشهاد منذ زمن بعيد جدًا بموت البطريرك بطرس خاتم الشهداء قبل ظهور الإسلام..

«أما أن تأخذ فكرة الاستشهاد وسيلة الهدف منها الدعاية ضد الدولة والتشنيع بدين الدولة الرسمي الذي نعيش في رحابه وسماحته في حب ووئام آلاف السنين، لأجل أن أخلق من نفسي «زعيماً شعبيًا» ذا صيت واسع في دنيا السياسة وشاشات التليفزيون.. أبنى نفسي بهلاك الآخرين، فهذه أنانية وذاتية مفرطة...».
«أحلام الأنبا شنودة بتكوين جبهة قبطية للرأي العام العالمي خارج مصر الهدف منها أن يكون زعيمًا شعبيًا، هي سراب خادع أضر به وبالمسيحيين في مصر..».

قد يشكك البعض أو يطعن في هذه الرواية، ولكن تصوير الأستاذ محمد حسنين هيكل لها قريب مما جاء فيها، فقد قال: «كان سبب الاحتكاك هو السبب التقليدي القديم: كنيسة قامت بغير ترخيص في الخانكة (إحدى ضواحي القاهرة)، وكان قيامها بالطريقة نفسها القديمة قطعة من الأرض اشتريت وأحيطت بسور من الدكاكين، ثم أصبحت الأرض الفضاء في قلبها ملعبًا، ثم مدرسة ثم ملتقى دينيًا، ثم جاءها المذبح ذات ليلة، ودشنها أحد الأساقفة وفتحت لإقامة الصلوات فقامت وزارة الداخلية بواسطة البوليس بإزالة بعض المنشآت، ومنعت استعمالها لغير الغرض الذي كان مقررًا لها.

ولم يسكت شنودة، وإنما أصدر أمره في اليوم التالي إلى مجموعة من الأساقفة بأن يتقدموا موكبًا ضخمًا من القسس، ويسيروا صفا بعد صف في زحف شبه عسكري إلى ما بقى من مبنى «الكنيسة» ثم يقيموا قداس صلاة حتى بين أطلاله، وكانت الأوامر لهم بأن يواصلوا التقدم مهما كان الأمر، حتى إذا أطلق البوليس عليهم نيران بنادقهم، وحاول البوليس أن يتعرض لموكب الأساقفة والقسس ولكن الموكب مضى حتى النهاية، وكان المشهد مثيرًا، وكانت عواقبه المحتملة خطيرة».


Doubleposting merged automatically to prevent flooding
Done by ”MARED”, an AI Robot



(7)

كانت التطورات تسير في اتجاه تصعيد الأزمة فإن البابا شنودة بعد أحداث الخانكة أحكم قبضته تمامًا على الكنيسة الأرثوذكسية ومضى بها في اتجاه التصعيد، وكانت الجماعات الإسلامية الشاردة مثل التكفير والهجرة، والجماعات الإسلامية وجماعة الجهاد تقوى وتزداد وتمارس صورًا من العنف توجه نحو الدولة أصلاً ونحو الأقباط تبعًا.

في هذا الوقت قدمت مشروعات بقوانين لتطبيق الشريعة لمجلس الأمة، وأعلن المستشار جمال صادق المرصفاوي، رئيس محكمة النقض، بتصريحات مثيرة، جاء فيها إن اللجنة العليا لتطوير القوانين قد انتهت من مشروعات القوانين وإرسالها إلى وزارة العدل، لتطبيقها على كل السكان من المصريين وغير المصريين، المسلمين، وغير المسلمين، عملاً بإقليمية القوانين وأوجز هذه القوانين فإذا بها لا تخرج عن مقترحات الأزهر، وبخصوص قانون الردة ركز على وصفه بأنه «قانون الخروج عن الديانة الإسلامية»، وقد «اشترط مشروع القانون أن يطلب إلى المرتد التوبة، فإذا انقضت مدة ثلاثين يومًا دون العودة إلى الإسلام والإصرار على الردة عوقب المرتد بالإعدام شنقًا»، كما تضمن مشروع القانون أنه يكفى أن يكون هناك شاهدان على الارتداد حتى يصدر الحكم.

في هذا الجو المتوتر قام الأقباط بما لم يقوموا به منذ ١٩١١، إذ عقدوا في ١٧/١/١٩٧٧ مؤتمرًا جاوزت مقرراته قرارات أي مؤتمر آخر سبقه. وقال البيان الذي صدر عن المؤتمر «دعت الضرورة لعقد هذا الاجتماع في هيئة مؤتمر لممثلي الشعب القبطي بالإسكندرية مع الآباء الكهنة الرعاة، وذلك لبحث المسائل القبطية العامة، وتفضل قداسة البابا المعظم الأنبا شنودة الثالث بحضور جلسة الاجتماع الأول بتاريخ ١٧ ديسمبر ١٩٧٦ في الكاتدرائية المرقسية الكبرى.

وبحث المجتمعون الموضوعات المعروضة، كما استعرضوا ما سبق تقريره في اجتماع اللجنة التحضيرية لكهنة الكنائس القبطية في مصر الحاصل بتاريخ ٥ و٦ يوليو ١٩٧٦ ووضع الجميع نصب أعينهم – رعاة ورعية – اعتبارين لا ينفصل أحدهما عن الآخر : أولهما الإيمان الراسخ بالكنيسة القبطية الخالدة في مصر والتي كرستها كرازة مرقس الرسول وتضحيات شهدائنا الأبرار على مر الأجيال، والأمر الثاني الأمانة الكاملة للوطن المفدى الذي يمثل الأقباط أقدم وأعرق سلالاته، حتى إنه لا يوجد شعب في العالم له ارتباط بتراب أرضه وقوميته مثل ارتباط القبط بمصر.

وأصدر المؤتمر قرارات عن: حرية العقيدة، وحرية العبادة، وتطبيق الشرع الإسلامي، وتشريعات الأحوال الشخصية، وعدم تكافؤ الفرص، وتمثيل المسيحيين في الهيئات النيابية، والاتجاهات الدينية المتطرفة، وحرية النشر، كما كانت هناك توصيات تنفيذية هي:

(١) المناداة بصوم انقطاعي في الكنيسة لثلاثة أيام من ٣١ يناير إلى ٢ فبراير ١٩٧٧ لرفع التضرعات والقداسات إلى الله صانع الخيرات، لكي ينعم على شعبه بوحدانية القلب وعلى الوطن السلام والطمأنينة، وعلى قادة البلاد بالحكمة والتوفيق والرشاد، لتحرير كل شبر من أرض مصر.

(٢) رفع هذه القرارات والتوصيات إلى قداسة البابا المعظم الأنبا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية والرئيس الأعلى للمجمع المقدس ولمجلس الكنائس المسيحية في مصر، لاتخاذ ما يراه مناسبًا تحقيقًا للمطالب القبطية.

(٣) تقديم نسخة من هذه القرارات والتوصيات إلى رئيس الجمهورية والسيد رئيس الحكومة والسيد أمين عام الاتحاد الاشتراكي والسيد رئيس مجلس الشعب للعمل على تحقيق رغبات أبناء الشعب القبطي بالوسائل الدستورية والقانونية الواجبة، سواء من جانب السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية في الدولة.

(٤) اعتبار المؤتمر في حالة انعقاد مستمر لمتابعة ما يتم في مجال تنفيذ فقراته وتوصياته بالنسبة لجميع المسائل القبطية العامة.

وكانت الفترة التي عاصرت مؤتمر الإسكندرية سنة ١٩٧٧ حافلة بالأحداث المأساوية أبرزها انتفاضة ١٨ و١٩ يناير سنة ١٩٧٧ عندما رفعت الحكومة فجأة أسعار سلع تمثل الحاجات الأساسية للشعب، فقام الشعب قومة تلقائية، وثار ثورة عارمة وتطورت إلى صدام دامي وشغب ونهب وتدمير، كما يحدث عادة في مثل هذه القومات.

ونزل هذا الحدث على السادات نزول الصاعقة وعجز عن أن يفهمه، وكان الانطباع عنده هو حب الشعب وتقديره لما أحدث من تغييرات عميقة أخرج بها الشعب من الجُب الناصري فجاءت قومة ١٧ و١٨ قاضية على هذا التصور الذي وقر في قلبه، وأحدثت شرخاً في أعماق نفسه وفى نظرته للشعب، وعجز تمامًا عن أن يفهم السر فيه وسماها «انتفاضة الحرامية»، ولم يعد السادات بعدها إلى ما كان عليه قبلها.

وفى شهر أغسطس ١٩٧٧ وفى أعقاب نشر الصحف لما معناه أن الحكومة برئاسة ممدوح سالم تنوى تطبيق الشريعة الإسلامية على المرتد، عقد المجمع المقدس اجتماعًا في ١/٨/١٩٧٧ برئاسة البابا شنودة، وأصدر قرارًا بتقديم مذكرة لرئيس الجمهورية تتضمن رفض الطوائف المسيحية تطبيق الشريعة، وقانون الردة، وضرورة حل مشاكل الطائفة، واقترح بعض الأعضاء قيام المجمع بمسيرة تضم أبناء الطائفة تتوجه إلى مقر رئيس الجمهورية والسفارات ووكالات الأنباء للتعبير عن استيائهم من اضطهاد المسؤولين للمسيحيين، إلا أنه أرجأ البت في هذا الاقتراح، واتخذ قرارًا بإعلان الصوم الانقطاعي ابتداء من يوم ٥/٩/١٩٧٧ تعبيرًا عن رفض مشروع قانون الردة.

وفى ليلة عيد الميلاد أي مساء ٦ يناير ١٩٨٠ وقعت عدة أحداث طائفية، تسبب عنها بعض الحرائق في بعض الكنائس، وذلك قبل ساعات من إلقاء البابا شنودة لعظته في الاحتفال الذي سيقام مساء نفس اليوم بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وكان من نتيجة هذا التصعيد أن قامت الكنيسة بأكبر مواجهاتها ضد النظام والدولة، مستخدمة في ذلك كل عناصر القوة التي امتلكتها.

وكان ذلك في عيد القيامة عندما قرر المجمع المقدس إلغاء الاحتفالات بالعيد، وإلقاء البابا شنودة لخطاب غاضب عارض فيه فكرة أن تكون الشريعة الإسلامية أساسًا لقوانين تطبّق على غير المسلمين، وأبدى مخاوفه من أن الدين يوشك أن يحل محل الوطنية، وفى يوم ٢٦ مارس ١٩٨٠ ألقى خطابًا أعلن فيه أن صلوات عيد القيامة لهذه السنة لن تقام كنوع من الاحتجاج على إهمال ما تقدم به الأقباط من طلبات، وعوضًا عن حضور قداس الجمعة الحزينة، فقد قرر البابا أنهم سوف يذهبون إلى أحد الأديرة في الصحراء يصلون من أجل الخلاص مما يعانونه من ضغط، وأصدر أمره إلى رجال الكنيسة بألا يتقبلوا التهاني بعيد القيامة من أي مسئول رسمي تبعث به الدولة لتهنئة الأقباط بهذا العيد كما جرت العادة.

وغضب السادات غضبًا شديدًا، ورأى فيه نوعًا من التحدي و«لي الذراع»، كما كان متأثرًا من استقبالات سيئة معارضة ومظاهرات غاضبة عندما ذهب إلى نيويورك وواشنطن ومنشورات معادية، فدعا إلى اجتماع لمجلس الشعب لمناسبة احتفالات ١٥ مايو وسرد فيه بإطالة وإسهاب تصرفات وسياسات البابا شنودة، وهو الخطاب الذي أعلن فيه أنه رئيس مسلم يحكم دولة مسلمة، ومش دولة إسلامية عادية.. لا.. دي لها مركز قيادي في عالمها الإسلامي، ومركز ريادة، ولما أقول إني رئيس مسلم لدولة إسلامية ليس معنى هذا أبدًا إني لا أؤدي حق المسيحي قبل المسلم.

وأعقب هذا الخطاب صدور قرارات سبتمبر بفصل الكتاب والسياسيين، واعتقال ١٣٦٥ من مختلف القوى الوطنية وإلغاء تراخيص بعض الصحف، وحل بعض الجمعيات الإسلامية، ونقل عدد من أساتذة الجامعة، وفى نهاية الخطاب قال السادات إنه كان قد اعتزم إجراءً عنيفًا بالنسبة للبابا شنودة، لولا أن خطابًا وصله من فتاة قبطية صغيرة تلتمس عطفه وتناشده صبره، وأخرج الخطاب من أوراقه وقرأ «يا أبى أشعر أنك غاضب، وأنا أقدم روحي فداءك وأتمنى لو استطعت أن أضيف كل ما تبقى من سنوات عمري لتعيش دائمًا لنا».. وقال: «حينما قرأت هذا الخطاب من ابنتي القبطية غيرت رأيي وقررت العدول عما كنت أنتويه»، فألغى القرار الجمهوري بتعيينه بابا للإسكندرية وبطريركا للكرازة المرقسية، وقرر لجنة للقيام بالمهام البابوية من عدد من الأساقفة.

بعد أن ألغى الرئيس السادات القرار الجمهوري بتعيين الأنبا شنودة بطريركا، رفع البابا شنودة بواسطة وكيله الأستاذ حنا ناروز المحامى تظلمًا أمام محكمة القيم في قرار رئيس الجمهورية، ورفضت المحكمة التظلم ووصم حكمها البابا بأنه بذل قصارى جهده في دفع عجلة الفتنة بأقصى سرعة، وعلى غير هدى إلى كل أرجاء البلاد، غير عابئ بوطن يأويه ودولة تحميه وأمه كانت في يوم من الأيام تزكيه، وبذلك يكون قد خرج عن ردائه الذي خلعه عليه أقباط مصر من محبة ووئام.

وتعطينا مقارنة موقف البابا كيرلس الخامس بموقف البابا شنودة الفرق الكبير الذي ما بين الموقفين، فقد ضغط المجلس الملي برئاسة بطرس باشا غالى على الخديوي عباس لإصدار قرار بإبعاد البطريرك كيرلس الخامس إلى ديـر البراموس، فوافقه وأبعد البطريرك، ولكن المجلس عاد فندم ورجا الخديوي إعادته، فوافق.

يقول مؤلف «الإيضاحات الجلية في تاريخ حوادث المسألة القبطية»: «ولما ذهب الوفد إلى البطريرك في دير البرموس قال لهم البطريرك: إني قد استبعدت من مركزي بأمر من جناب خديوينا السامي العظيم، وأمرت من لدنه ألا أتكلم ولا كلمة واحدة، ولا أبدى أي عمل، فلا يليق بي مخالفة مولانا.. فقالوا له: إننا مبعوثون من قبل الجناب العالي.. فقال لهم أين المكاتبة التي بأيديكم بالتصريح لكم بذلك؟ فإذا كان في أيديكم مكاتبة من الحكومة فلا أتأخر عن الإجابة وإطاعة لأمر أفندينا المعظم..».


Doubleposting merged automatically to prevent flooding
Done by ”MARED”, an AI Robot



(8)

وصل الخطاب القبطي إلى مرحلة الخصومة والصراع، في الخطاب الذي ألقاه أسقف القوصية الأنبا توماس في معهد هدسن بواشنطن (الولايات المتحدة) وجاء فيه: «حين يسمع الناس كلمة «قبطي»، كثيرًا ما لا يفهمون معنى الكلمة، فمن هم الأقبـاط؟ ولماذا يُدعون هكذا؟ ولهذا شعرت أنه من الأهمية أن أبدأ بشرح أصل الكلمة ولماذا نـُدعى «أقباط»، وهذا الشرح قد يخبركم بعض الشيء عن المعضلة التي نواجهها.

مصر كانت تدعى دائمًا «إجيبتوس» وكان الجميع يعرفونها بهذا الاسم، وفى القرن السابع حدث تغيير في الاسم وفى البلاد ذاتها، حين جاء العرب لمصر أو بالأحرى حين قاموا بغزوها، لم يستطيعوا نطق كلمة «إجيبتوس» بسبب الفروق اللغوية فغيروها إلى «جبت» بعد أن اقتطعوا حرف «إ» ومقطع «أوس»، وهكذا أصبحت إجيبتوس «جبت»، واستخدموا «القاف» فأصبحت «قبط»، وكان كل من في البلد يدعون أقباطا، ولكن بالتدريج، قام بعض الناس ــ لأسباب معينة سواء كانت الضرائب أو الضغوط من أي نوع أو الطموحات والرغبة في التعامل مع القادة أو الحكام ــ بالتحول للإسلام، هؤلاء الذين تحولوا (للإسلام) لم يعودوا بعد أقباطا، بل أصبحوا شيئا آخر.. والذين ظلوا مسيحيين هم الذين (كانوا) يدعون أقباطا، وهنا سأتوقف وأضع علامة استفهام، ما الذي يجعل شخصًا يغير هوية وطنه بأكمله؟ وأن يحول مركز الهوية من مصر ليصبح العرب، وبالرغم من أن الشعب والأفراد ظلوا كما هم من الناحية العرقية إلا أنهم لم يعودوا أقباطا..

وهذه علامة استفهام كبيرة، وسبب كبير فيما يحدث الآن.. مصر كانت دائمًا بؤرة التركيز للأقبـاط، فهي هويتنا، وطننا، أرضنا، لغتنا وثقافتنا، ولكن حين تحول بعض المصريين للإسلام، فإن بؤرة الاهتمام والتركيز عندهم تغيرت وبدلا من أن يكون الوطن في الداخل هو مركز الاهتمام، أصبحت شبه الجزيرة العربية المركز، وبدلا من أن ينظروا إلى حيث هم راحوا ينظرون وجهـة أخرى ولن يعودوا يسمون أقباطا وهذه نقلة كبيرة، كما أنها سبب مهم للغاية فيما يحدث الآن..

هل هم حقا أقباط أم أصبحوا فعليًا عربًا؟ ولهذا نترك علامة استفهام كبيرة هنا، فإذا توجهت لشخص قبطي وقلت له إنه عربي فإن هذه تعتبر إســاءة، بصورة ما، لأننا لسنا عربًا بل مصريون وسعداء بكوننا مصريين ولن أقبل أن أكون عربيا.

لكن الموقف يختلف مع مواطن آخر يحيا في مصر ولكنه ليس «قبطيا» بنفس المعنى الذي شرحته، فقد أصبح الأمر بالنسبة له مختلفا إذ يعتبر نفسه منتميا لهوية أخرى مركزها في شبه الجزيرة العربية، لقد تحولت هوية الأمة وأصبح الانتماء للعروبة وللمنطقة التي تتحدث بالعربية، وهذا يعنى أنه إذا لم تكن تنتمي لهذه الهوية أو الجماعة، فأين يقع مكانك في المجتمع العربي؟ أنت داخله وخارجه، تنتمي ولا تنتمي، وهذه هي المعضلة الكبيرة التي يواجهها الأقباط الذين تمسكوا بديانتهم المسيحية، بل بالأحرى بهويتهم كمصريين، وبثقافتهم، محاولين الاحتفاظ باللغة والموسيقى والتقويم القبطي، مما يعنى أن التراث الثقافي للمصريين القدماء ما زال باقيًا، بينما في ذات الوقت فإن إخواننا في الوطن قد تخلوا عنه من أجل ثقافة أخرى، هذا يعنى أن هناك عملية تعريب مستمرة تحدث لهذا الوطن، بدأت منذ قرون، منذ القرن السابع، ومازالت جارية حتى الآن، يمكننا أن نقول أيضا إن هذا جزء من المعضلة، وفى نفس الوقت فإن الأسلمة هي معضلة أخرى بدأت منذ فترة ولا تزال تحمل معها العديد من المشاكل حتى الآن، مما يعنى أن هذه العملية ستظل سارية وهى بالفعل مازالت.

مثال بسيط، إذا كنت تريد أن تدرس اللغة القبطية مثل أي لغة أخرى، فهل مسموح لك بتعلمها في المدرسـة؟ من الممكن تعلم الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، أي لغـة، لكنك لا تستطيع أن تدرس اللغة القبطية ــ لغة البلد الأصلية ــ في أي مدرسة عامة بالبـــلاد، هذا غير مسموح به مع أنه مسموح لنا أن ندرس لغات أخرى في مدارسنا الحكومية، ولدينا مدارس كثيرة تُعلم الإنجليزية، الفرنسية، والألمانية والإسبانية وغيرها ولكن ليس القبطية.. لماذا ؟

لأن هذا ببساطة يتعارض مع عملية التعريب، هذا اتجاه خطير للغاية، فتراث مصر الثقافي ينتزع منها، وهذا لا يحمل أي جانب ديني ولكنه يعكس واقع ثقافة تموت، لقد شعر الأقباط فجأة بمسؤولية الحفاظ على ثقافتهم والاستمرار فيها والكفاح لأجلها.. نعم، نحن لا نزال نكافح بشدة من أجل الحفاظ على تراث مصر القوى لأننا نحب تراثنا، وهذا يعنى أنه إذا كنا مثلاً نريد تدريس اللغة (القبطية) في مدرسة حكومية، لن يكون متاحًا، مما يعنى أن الكنيسة هي التي ستحمل مسؤولية احتضان هذا التراث من أجل الحفاظ عليه كأنها تضعه في «حضانة» جيدة حتى يأتي الوقت الذي يسود فيه الانفتاح والفكر السليم ويعود البلد لجذوره ويعلى من شأنها، لكن حتى يأتي ذلك الوقت فعلينا أن نحتفظ به في حضانة في الكنيسة.

إذن كلمة «قبطي» هنا ليس لها معنى ديني فقط ولكن ثقافي أيضًا، عملية التعريب مازالت جارية وليس فيما يتعلق باللغة فقط ولكن الجوانب الثقافية مثل التقويم.. العادات.. التقاليد.. أساليب الفنون.. نحن نشعر بأن إخواننا وأخواتنا في الوطن قد خذلونا بعض الشيء، إذ نرى ثقافتنا وفنوننا تنتزع منا ويطلق عليها أسماء أخرى، كمثال فإن فن أشغال الخشب (الزخارف الخشبية) هو إحدى الحرف المعروفة لدى المصريين، فجأة لم يعد حرفة مصرية بل أصبح «فنا إسلاميًا».

لو تكلمنا عن الثقافة فإنه من الممكن أن نقضى عدة ساعات نسرد فيها العديد من الأمثلة، فدعونا الآن نتحدث عن عملية الأسلمة التي هي جارية حتى الآن، معنى الأسلمة لا يقتصر فقط على دفع الناس للتحول للإسلام لكنه أيضاً يشمل أمورا عديدة تأخذ شكل اتجاهات معينة منذ حداثتنا، حيث نسمع دائما أن الإسلام هو الطريق الصحيح للحياة، وحيث يضطر صغارنا ــ وهم أقلية ــ للتعايش مع هذه الحقيقة، وأن ما يسمعونه في المدرسة والتعليم الذي يتلقونه يختلف كثيراً عما تلقوه في كنائسهم، تخيل نفسك طفلا صغيرا تذهب للمدرسة حيث تسمع شيئا ثم تعود للمنزل لتسمع شيئا مختلفا، كما أنه عليك حفظ آيات من القرآن التي تُمتحن فيها، فهل علىَّ كطفل صغير أن أدرس القرآن لكي أستطيع اجتياز الامتحانات بنجاح؟

وهذا يعنى أيضًا أنه عليك في إطار دراستك للتاريخ أن تدرس تاريخ انتصارات القوات الإسلامية الغازية، وإنه عليك كطفل صغير أن تمجد الغزاة العرب الذين جاءوا لبلدك، فكيف يكون شعورك في هذه الحال؟ وفى ذات الوقت أنت تدرس القليل جداً عن تاريخ الفراعنة، وعن تراثك القبطي، وعن الحياة اليومية للوطن، بينما معظم ما أنت مجبر على دراسته مشبع بهذه الاتجاهات.

وسائل الإعلام أيضًا تتبع هذا الأسلوب في أيامنا هذه، وحيثما كنت فإن التلاوات القرآنية مسموعة، بصوت عالٍ، وليس بإمكانك أن توقفها، وهذا جزء من الضغوط المحيطة بنا.

مع تزايد الأصولية وتأثيراتها داخل مصر فإن مصر تجتاز مرحلة صعبة جداً من حيث التكامل أو الوحدة ما بين الأقباط والمسلمين، إن «المسلمين» هم مجموعة واحدة أينما كانوا بينما البلاد الأخرى هي التي تتغير، فهذه هي الطريقة المتبعة في التسميات، حتى لو كانت غير منطقية، وعلى الأقباط أن يعيشوا بهذه الطريقة، وأن يحتملوا الهجوم على المسيحية الذي يحدث أحياناً من بعض وسائل الإعلام، يوجد لدينا أحيانا عدد من الكُتاب الذين يتجرأون بالتصدي لمثل هذه الأمور، ولكن كتاباتهم لن تنشر في وسائل الإعلام الحكومية والصحف الرسمية، فليس أمامهم إلا الاتجاه للصحف المسيحية لنشر ما يريدونه ولكن ليس في نفس المكان (في الوسائل الإعلامية) التي تنشر هذا الهجوم، نحن نأمل بالطبع في علاقات أفضل، فلنأخذ بعض الأمثلة من التي قرأتموها هنا ونشرت في الصحف، عن هجوم بعض المجموعات على دير أبو فانا في ملوي..

فما الذي حدث؟ تم أخذ سبعة رهبان كرهائن وتعذيبهم، وكما ذكرت بعض وسائل الإعلام المصرية فقد قال بعض هؤلاء الرهبان إن المعتدين حاولوا بشدة أن يجبروهم على البصق على الصليب وعلى التحول للإسلام، وبالطبع لم يفعل الرهبان هذا، لكن المهم هنا هو أن هؤلاء الرهبان قد تكلموا في حديث لوسائل الإعلام فماذا كان رد الفعل؟ رد الفعل كان إنكار الجانب الديني للحدث وتصوير الموقف على أنه مجرد نزاع على قطعة أرض.

دعوني أسرد لكم قصة عن أحد هذه المستويات وقد تم نشرها في الصحف، وأنا عموماً لا أقول شيئا لم يتم نشره، القصة حدثت في الفيوم وهى متعلقة بفتاة شابة تحولت للإسلام منذ فترة وتزوجت برجل «مسلم» وعاشت معه فترة ثم هربت من زوجها فجأة لسببٍ ما، فما هو رد الفعل الطبيعي لأناس طبيعيين في مثل هذه الحالة؟ في الأحوال الطبيعية كانت هذه الفتاة ستذهب للمحكمة إذا أرادت الطلاق أو ستسعى للحصول على استشارة نفسية أو اجتماعية أو ستعود لأسرتها لطلب مساعدتهم، ولكن لأن هذه الفتاة كانت مسيحية تحولت للإسلام فما إن سرت شائعات بأنها ستعود لقريتها، حدث هجوم فجأة على المسيحيين من أهل هذه القرية، بسبب هذه الشائعة، ودفع المسيحيون هناك الثمن، تم تدمير منازلهم وسرقة محلاتهم.

هذه مجرد لمحة لما يحدث.. والآن ما الذي تتوقعه من شخص قبطي يعيش في هذه الأجواء؟ ماذا تظن أن يكون رد فعله؟ هل عليه أن يحمى نفسه وعائلته؟ هل عليه أن يسعى للانفتاح والاتصال بالآخرين والتحدث عما يتعرض لـه؟ أقول لكم، نحن لسـنا كنيسة ضعيفة، ولا أشخاصا ضعفاء، نحن أقوياء وسنظل صامدين، فالمحبة التي فينا أقوى بكثير من الكراهية.

وهذا هو ما أريد أن أقوله، إنه بالرغم من كوننا نواجه الكثير من الصعاب إلا أننا لسنا ضعفاء، ببساطة لأن الحق قوى، المحبة قوية، والرجاء قوى، وهذا ما يجعل المسيحيين باقين في مصر بالرغم من معدلات الهجرة الكبيرة، إنه أمر مقلق أن أعدادا كبيرة من المسيحيين تترك مصر والشرق الأوسط ككل.. المسيحيون يغادرون هذه المنطقة، وهذه علامة استفهام كبيرة كما أنها أيضًا نداء للمعونة، لمساعدة المسيحيين على البقاء في أوطانهم.

لقد أخذت الكثير من وقتكم، أشكركم جزيلاً وأنا سعيد للغاية بوجودي معكم هنا».
ترجمة «منتدى الشرق الأوسط للحريات».


Doubleposting merged automatically to prevent flooding
Done by ”MARED”, an AI Robot



(9)

النظرة العامة، أو العابرة، إلى خطبة أسقف القوصية في معهد هدسن التي سردناها في العدد الماضي تظهر بجلاء أنها سلسلة من المغالطات والأكاذيب والزيوف يلقيها نيافة الأسقف كأستاذ على جمهور لا يعلم شيئاً عن مصر، وحديثه عن الأسلمة والتعريب في مصر اليوم يثير العجب والرثاء، فقد تأخر حديث الأسلحة ١٤٠٠ عام، أما حديث التعريب فلعله لا يعلم أن البطريرك غبريال باتريك (١١٣١ــ ١١٤٥) اعتمد اللغة العربية لأداء الطقوس، فكلامه عنهما الآن لا معنى له على الإطلاق، وإنما هو استهانة بعقول المستمعين واستغلال لجهالتهم.

وكل من يعلم تاريخ مصر يعرف أنه عندما دخلت المسيحية مصر كانت الدولة الرومانية التي تحكم مصر وثنية، وأنها بطشت بالمسيحيين ومثلت بهم أشنع تمثيل أيام نيرون وخلفائه، ونال المصريون المسيحيون نصيبهم من هذا، وعندما آمنت روما بالمسيحية فإنها اصطنعت مذهبًا يخالف الأرثوذكسية المصرية، فتعرض الأقباط لاضطهاد مروع، وهدمت كنائسهم وشرد البابا بنيامين، وقد كان عمرو بن العاص هو الذي أعاد البابا بنيامين ومنحه سلطاته، وهو الذي خلص الأقباط من عذاب البيزنطيين، فهل يجهل الأسقف هذه الحقيقة، إن رجلاً من صميم العرب، وجاء من صحراء العرب، هو الذي أنقذ الأقباط من العذاب المهين، وهو الذي أحيا الكنيسة القبطية..

ومن ثم فإنه كان يستحق الشكر والمديح لا القدح والذم، بل إنه فيما يقول كاتب قبطي هو د. نبيل لوقا بباوي «في عام ٦٤٢م أخبر الأنبا بنيامين بطريرك الأقباط الأرثوذكس حاكم البلاد عمرو بن العاص بأن رأس مارى مرقص الرسول تم سرقته من إحدى الكنائس المصرية بالإسكندرية وعندما علم عمرو بن العاص بذلك توجه بقوة من الفرسان من الفسطاط إلى الإسكندرية للبحث عن رأس مارى مرقص الرسول وهو يعلم جيدًا أن مارى مرقص الرسول أحد التلاميذ السبعين للرسول، وهو الذي أدخل المسيحية إلى مصر في عام ٥٨م»، وهو الذي كتب إنجيل مرقص أحد الأناجيل الأربعة، وبعد البحث لمدة ثلاثة أيام عثر عمرو بن العاص على رأس مارى مرقص الرسول في إحدى السفن وسلمه إلى بطريرك الأقباط الأنبا بنيامين البطريرك رقم ٣٨، بل أكثر من ذلك سلمه مبلغ عشرة آلاف دينار من بيت المال لبناء كنيسة جديدة لرأس مارى مرقص الرسول في منطقة بولكلي بالإسكندرية واستأذن الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة في ذلك وأقره على ذلك».

ويسجل التاريخ أن صراعًا داميًا حدث ما بين المسيحية الوافدة على مصر وبين أصحاب الديانة المصرية الفرعونية (التي يتمسحون بها) وأنه عندما كتبت لهم الغلبة فإنهم هدموا ما استطاعوا هدمه من آثار الفراعنة، كما كان بمصر جالية يونانية وثنية ومجموعة كبيرة يهودية كانت ضد المسيحية، وقام بينهم صراع يمكن أن يرمز له بمقتل هيباثا سنة ٤١٥ بتحريض أو على الأقل برضا بطريرك يحمل لقب «عمود الدين».

وهذا يعنى أن الأقباط لم يكن لهم طوال هذه المدة- أي منذ دخول المسيحية حتى دخول عمرو بن العاص- أي قدر من السيادة، فقد كانت السيادة لروما وبيزنطة، ولم يلوا الحكم، بل لم يتمتعوا بحرية العقيدة، بل ولا أي حرية فقد عاشوا كل هذه الحقبة عرضة للاضطهاد ومذهبهم المسيحي محل مقاومة السلطات الحاكمة، أما لغتهم فقد كانت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية خلال عصر البطالسة والعهد البيزنطي وقد كتب بها جميع آباء وعلماء الكنيسة في الإسكندرية، وكانت اللغة القبطية مقصورة على حاجة الكنيسة لتعليم الشعب أصول الدين خاصة في الأرياف..

وقد قامت اللغة القبطية على حروف يونانية عدتها ٢٥ حرفاً أضيفت إليها سبعة حروف من المصرية القديمة في آخر مراحلها وهو الخط الديموطيقي، وأضيفت إليها ألفاظ يونانية وعبرية ولاتينية، وكان لها عدة لهجات، منها: اللهجة المنفية نسبة إلى منف وهى لهجة القاهرة وغرب الدلتا، واللهجة الصعيدية، واللهجة الفيومية، واللهجة الأخميمية، واللهجة اليشمورية نسبة إلى يشمور التي كانت جهات عامرة في الدقهلية.. وبعد الفتح الإسلامي علا شأن اللغة القبطية حينًا، ولكنها تدهورت وحلت محلها العربية واعتمدها لغة رسمية في الطقوس البطريرك غبريال باتريك (١١٣١- ١١٤٥).

إن أسوأ ما تعبر عنه خطبة أسقف القوصية هو أن الأقباط فقدوا فكرة «المواطنة»، «الوحدة القومية» وأنهم جزء لا يتجزأ من الأمة، وأنهم يفضلون وضع الأقلية التي يتمتعون فيها بما تحققه من استقلالية، فلا يشار إلى أحد منهم بأنه عربي، ويمكن ألا يتكلموا العربية، وإنما يتحدثون بالقبطية، ولا تؤذى آذانهم تلاوة القرآن، وستكون لهم مدارسهم الخاصة التي لا يدخل برامجها حرف واحد عن الإسلام أو نبذة عن تاريخ العرب.

وإنما سيقتصر التاريخ فيها على المرحلة القبطية، وسيدرس البطاركة كما لو كانوا ملوك هذه الفترة، كل هذا يكون من حقهم كأقلية، وفى الوقت نفسه سيتمتعون بالضمانات الدولية لحماية الأقليات، ولكنهم في هذه الحالة لا يجوز لهم أن يقولوا إنهم المصريون أصحاب الأرض والتاريخ، وإن غيرهم عرب وافدون، فهذا تدليس يشبه تمامًا كلام إسرائيل بأنهم أصحاب فلسطين وأن العرب وافدون، وإن كان لهم أن يقولوا إنهم ليسوا جنسًا طارئاً على مصر، ولكنهم من صميم المصريين، ولكن تمسكهم بالقبطية ديناً ولغة وعادات.. الخ، عندما آمنت أغلبية الأقباط بالإسلام عزلتهم وجعلتهم أقلية، ولا يمكن لهذه الأغلبية أن تقبل أن يكون فيها من يتأذى من القرآن أو من يحتقر العربية.

وقد كان لفكرة «الأقلية» أصل قوى في المناقشات التي دارت عند وضع دستور ١٩٢٣، أو تقطبت وجهات النظر في:

 فكرة أن الأقباط أقلية ويكون لهم تمثيل نسبى وتزعمها توفيق دوس، وأكد أن ذلك لا يعنى التفرقة بين المصريين وأن عدم تمثيلهم هو الذي يحمل على العكس إذا حدث أن كان عدد ممثليهم أقل من أن يرتضوه لأنفسهم، ولاسيما أن للعقائد الدينية تأثيرًا كبيرًا في نظرة المصريين جميعا للشؤون السياسية وقد انضم إلى هذا الرأي الأنبا يؤنس مطران الإسكندرية وإلباس عوض وعلى المنزلاوي الذي قال إنه بصفته من الأكثرية يرى في تمثيل الأقليات نفعا عظيما للاسترشاد برأيها والانتفاع بذوي المواهب المختلفة من أبنائها؛ حتى لا يجد الأجنبي حجة للتدخل في شؤون مصر والوقيعة بين أبنائها.

 وأما الرأي المعارض فكان يتزعمه عبد الحميد بدوى على أساس أن في مبدأ التفرقة بين الأكثرية والأقلية ما يتنافى مع تقاليد المصريين؛ لأن الأقباط عاشوا مع المسلمين في وئام منذ قيام النظام النيابي في مصر، ولم يكن هناك ما يسمى بالأقليات، ولأن الفارق الديني ليس له إلا أثر طفيف جدا على الرابطة التي تجمع بين الأقباط والمسلمين، وأن هذا الأثر الطفيف لن يلبث مع الزمن أن يزول ويُمحى، وأن فكرة وجود أقلية وأكثرية تؤدى إلى انقسام خطير بين أبناء البلد الواحد.. وقد أيد عبد الحميد بدوى في هذا الرأي قليني فهمي وإبراهيم الهلباوي ومحمود أبو النصر وعبد الحميد مصطفى وأحمد طلعت، كما أيده عبد اللطيف المكباتي الذي استنكر أن يرد في الدستور نص يعترف بوجود أقليات لأن الجميع مصريون ولكي لا يحتج الإنجليز فيما بعد بوجود هذه الأقليات فيعودوا إلى ادعاء حمايتها، فيكون هذا حجة لتدخلهم في المستقبل، وقال قليني فهمي إن فكرة تمثيل الأقليات هادمة للوحدة الوطنية وهذا ما لا نود وقوعه.

 أما الرأي الثالث الذي انتصر في النهاية فكان رأى سعد زغلول الذي بناه على أن اختلاف الدين لا يؤثر عندما تكون المصلحة واحدة، وأصدر الوفد بيانا رسميًا قال فيه: «ليس في البلاد أقلية ولا أكثرية وإنما الجميع مصريون، إن الأقباط والمسلمين لا يدينون إلا بدين واحد هو دين الحرية والاستقلال»، وقد وقّع هذا البيان من الأقباط واصف غالى ووصيا واصف ومرقس حنا وجورج خياط، وقد كتب ويصا واصف يقول: «ليس في مصر إلا المصريون، وهم جميعا سواء بغير تمييز بين أكثرية وأقلية، ومن ثم فإن الزعم بأن الأقباط يكونون أقلية هو في حكم اعتبارهم أجانب عن مصر.. إنهم لم يكونوا في يوم من الأيام موضوع قانون استثنائي، بل إنهم يتمتعون دائمًا بجميع الحقوق التي يتمتع بها المسلمون سواء بسواء».وكان هذا هو رأى كبار الأقباط من رجال الوفد الآخرين من أمثال فخري عبد النور ونجيب إسكندر وكامل سيف صالح.

وكان توفيق دوس قد علل أمام اللجنة العامة قومة الأقباط ضد فكرته بما يرونه مصلحة لهم برغبتهم في ألا يغضبوا المسلمين «فتظاهروا بأنهم لا يريدون التمثيل»، «وإذا لم تمثل الأقليات» فقد يتظاهرون بالوطنية الحادة وأنهم لا يريدون هذه الحماية في حين أنهم يريدون التشدد في التمسك بها، وأن كثيرًا ممن يجهرون برفض تمثيل الأقلية يُسِرون العكس.

ومما قد يلقى ضوءًا على هذه الفكرة أن الأستاذ مجدي خليل الذي تولى وحده تقريبًا الدفاع عن أسقف القوصية وكتب ثلاث مقالات مدوية «عقاب الأقباط على وطنيتهم»، «مصر للمصريين»، «محنة الهوية المصرية»، نشر في «الدستور» (١٠/٧/٢٠٠٩) يقول «إن الأقباط أقلية، وكل التعريفات العلمية عن الأقلية تنطبق عليهم، ومصطلح الأقلية لا يهين أحدًا ولا ينتقص من شأننا، بل هو أمر قانوني»، وجاء في المقال «وجب التنويه أن وضع الأقلية لا ينفى كون الأقباط جزءًا من النسيج أو مكوناً من مكونات السبيكة أو كونهم من أصحاب البلد أو كونهم مواطنين أصلاء ومن أحفاد الفراعنة أو كون جذورهم تمتد إلى أعماق التاريخ المصري».

وهكذا نصل إلى ختام غير متوقع لرحلة طويلة لم تصلح فيها المعانقات والشعارات ولا سماحة الإسلام ولا بُعد المسيحية عن الدنيويات، ولا المحاولات العديدة لإفهام المتعصبين من المسلمين والأقباط حتى أصبح الحديث عن «الاحتقان» أو التوتر الطائفي موضوعًا دائمًا يتصدر الصحف ولم يعد ثمة خلاص إلا في حل الأقلية المريح.

وليس من البعيد أن يتغير هذا المناخ بتعميق الحرية ورفع المستوى المادي والأدبي والثقافي لجمهور المسلمين والأقباط.


(بالنســـــبة لأن الموضــــوع طويـــل وحسـاس فنقف هنا، وسيصدر الموضوع في شكل كتاب موسع).
الرد مع إقتباس
  #2  
قديم 29th January 2010
مصريون ضد التمييز الديني
 
تاريخ القيد بسجلات المنتدى: May 2009
المداخلات: 15
الوضع الإفتراضي

لقد إستغرق حديث الأستاذ جمال البنا تسع حلقات دون تعقيب ، لكن أخيرا جاء تعقيب منشور علي صفحات " الأقباط متحدون " سوف نورده تباعا ، وإليكم ماجاء في هذا الشأن . وقد إخترت له العنوان " هنا مفيش فيل " رفضا للمارسة المقيته للبلطجي الذي كان يجبر الضعيف علي ترديد مايمليه عليه وهي العبارة التي إستمدها كاتب التعليق إقتباسا من فيلم " طاقية الإخفاء "

هنا مفيش فيل
رد على مقالات المفكر الإسلامى جمال البنا (3-3)

(تطور الخطاب القبطي من المودة والخلاص إلى الخصومة والصراع)
بقلم: القس.أيمن لويس
أعلم أن تناول الرد على ما كتبه المفكر الكبيرالأستاذ جمال البنا يعتبر متأخرًا، حيث أن هذه المقالات تم نشرها منذ عدة أشهر بجريدة المصري اليوم على مدار تسع أسابيع وتحديدًا ابتداءًا من منتصف شهر مايو الماضي، ويرجع سبب التأخير لعدة أسباب..
أولاً.. اعتقادي أنه لا بد أن هناك نفر من الأقباط سوف لا يفوتهم تناول الخطاب بالتحليل لما فيه من نقاط هامة يجب عدم تركها حتى لا يترسخ في الأذهان مضمون الخطاب بما فيه من أمور هامة، نعتقد أن هناك نوع من الإلتباس حدث لدى الأستاذ الفاضل أدى إلى نوع من الخطأ في فهم الأمورعلى صحيحها وعلى حقيقتها، ولا سيما أن الكاتب يمثل أحد التيارات الإسلامية المعتدلة المستنيرة وهو من الأقلام القليلة في هذا الزمان الذي يحمل أدوات البناء الإيجابي.
ولمن لم يتابع هذه المقالات التى نتحدث عنها نحاول أن نقدم عرض لأهم الأفكار التي رأينا أنها تحتاج للتعليق بحسب قراءتنا..
ملخص الموضوعات التي تم نشرها بالمقالات التسع بجريدة المصري اليوم:
• موقف الفكر اللاهوتي المسيحي من السياسة والدولة والمواطنة ورسالة لوم لسلوك المسيحيين وتحديدًا رجال الدين الأرثوذكس وخطابهم الديني.
• عرض تاريخي للمعاناة التي تعرض لها المسيحيون في القرون الأولى على اعتبار أنها السمة التى يجب أن يكون عليها المسيحيون دائمًا وأبدًا.
• انتقاد الكنيسة لمشاركتها الإجتماعية.
• عرض عقيدة الثالوث كما يفهمها المسيحيون ومحاولة تفويت صيغة توافقية باعتبار أنها إحدى نقاط الخلاف القوية.. واستنكار رفض الأغلبية المسيحية لتطبيق الشريعة على المسيحيين مستشهدًا برأي كاتبين مسيحيين أحدهما يسمى الأستاذ سامي داود والآخر صادق عزيز.
• التعرض لقضية أقباط المهجر والفضائيات وتحديدًا يقصد قناة الحياة، ثم توجيه الاتهام والانتقاد لرئيس الكنيسة الأرثوذكسية على مواقفه من الأزمات والمشكلات التي يعانيها الأقباط ومحاولته استغلال الحالة التي يجتازها الأقباط من أهمال من جهة النظام ليلعب دورًا من الزعامة السياسية واختزال الأزمة في هذا السبب.
• ملاحظاته الاعتراضية على خطاب أسقف القوصية -الأنبا توماس- في معهد هدسون بواشنطن واعتبارها أنها سلسلة من المغالطات والأكاذيب والزيوف على حد قوله وأنها ضد المواطنة ورفضه أيضًا فكرة الأقلية للمسيحيين.
وهكذا نلاحظ أنه من خلال المقالات هناك رسالة يحاول الكاتب تمريرها، وقبل الخوض في العرض يجب أن لا نغفل الإشادة بموضوعية الكاتب والإعتراف بأنه من القلائل اللذين ينتهجون الأسلوب العلمي الأمين بالرجوع للمصادر المسيحية حتى وإن كانت انتقائية قبل الكتابة في الشأن المسيحى فهذا يحسب له. فقد قدم لنا اقتباسات دون مزايدة ورغم كل هذا فلا عيب في أن نختلف معه أو نضيف إليه.
وملاحظتنا تبدأ من عنوان المقال، فنحن نرى أن عنوان المقال يحمل تحاملاً وإدانة والمضمون لا يخلو من اللوم على الخطاب القبطي رغم أن المقالات لا تقدم تحديدًا. أي نوع من الخطاب القبطي يقصد؟ فهل يقصد الخطاب الإعلامي المسيحي؟ أم يقصد الخطاب الوعظي المنبري؟ لأن الفصل بينهم في غاية الأهمية وسوف نوضح ذلك.
في الحقيقة كنت أنوى منذ فترة الكتابة في هذا الموضوع، بمناسبة المطالبة الإجتماعية من خلال وسائل الإعلام ومناشدتها معالجة حالة الاحتقان الطائفي من خلال تصحيح مسار الخطاب الديني. ونظرًا لتجاهل الأمور الخاصة بالشأن المسيحي من قِبل الأغلبية المسلمة، أعتقد أن هناك عدم معرفة بحقيقة الخطاب المسيحي عامة والقبطي خاصة فكان القياس على الخطاب الإسلامى بأنه معبرًا عن الخطاب الديني على وجه العموم وهذا قياس غير صحيح على الإطلاق، فقد بدأ تعرف مجتمعنا على الخطاب المسيحي منذ فتره قصيره جدًا، مع بداية ظهور الفضائيات والتطور الهائل في وسائل الإتصال واستخدام الإنترنت.. والآن تعالوا نستعرض معًا الخطاب المسيحي.
أولاً.. الخطاب الوعظي المنبري من حيث هدفه وطبيعته:
يذهب المسيحى للكنيسة بهدف الوقوف أمام حضرة الله القدوس للتعبد والاستمتاع بالعلاقة مع الله الآب ممتلئ بالإيمان بصدق قوله "تعالوا إلىًّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت11: 28). ولأن الإيمان المسيحي يعطي أولوية للأمور الروحية لذا فالعبادة تنصب في الأمور الروحية واللاهوتية (أي ما يختص بذات الله وطبيعته ومشيئته)، وكما أعلنت سيادتكم في المقال الأول مستشهدًا بالمونسنيرر باسيليوس موسى -وهو رأي صحيح- أن الفصل بين الدين والسياسة هو من ثوابت التشريع المسيحي، لذا نجد لهذه الأسباب أن الخطاب الديني المسيحي من على منبرالكنيسة أو الهيكل عبر العصور والأوطان بعيد كل البعد عن الدخول في الأمور السياسية، ولا يحمل أى إشارات سياسية سواء كان بالقول المباشر أو التلميح، كما أن غزارة التعليم المنهجي عن الله بالكتاب المقدس لا يعطي مجال للدخول في أي أمور بعيدة عن الاهتمام بالعبادة أو الانحراف عن الهدف الأسمى وهو التأمل الروحي وإعطاء المجد لله. فالمسيحية تعلم الإنسان الجوع لمعرفة الله والتمتع بسماع التعاليم والوصايا الروحية والتذكر بالمواعيد المباركة والإنشغال لمعرفة مشيئة الله الصالحة وطلب الغفران لتتميم الخلاص، من كل هذه الأمور نعرف أن خلو الخطاب الكنسي الديني من التعرض للأمور والأحداث الدنيوية بالنقد أو الاعتراض أو التحريض سببه يرجع لطبيعة الفكر العقائدي والسلوك الإيماني وليس لأي أسباب أخرى مثل الخوف من السلطة أو الاصطدام بالنظام.
فنجد أن كل هذا الزخم من الإلتزمات والواجبات الروحية تجعل المسيحي في حضوره للكنيسة يتهيأ بكل قواه للخروج من العالم المادي بكل ما فيه من أحداث لإستقبال سلام الله الداخلي. كما أن الخطاب المسيحي على كل مستوياته لا يحمل أى أيدولوجيات أو تحريض على الآخر أو الحاكم أو الساسة، وقد ذكرت مشكورًا الآيات الكتابية التى تأمر المؤمنين بالخضوع وطاعة القائمين على حفظ النظام العام فلا تجد في أي فقرة من شعائر العبادة المسيحية خروج عن الروحيات حتى في الدعاء، لا يجوز لنا رفع لعنات وطلب لجلب المصائب لأي إنسان، فاللسان الذي يبارك لا يلعن (رو12: 14) بل العكس نؤمر بطلب البركة حتى للذين يسيئون إلينا (مت 5: 44).
إنها رسالة محبة من الله ولله وحده، فالعبادة تخص المعبود وحده هذا هو جوهرها ومضمونها ولا يجوز الشرك فيها، لذا فالنتيجة سلام للمجتمع وصفاء للنفس وهدوء للروح أنه خطاب بناء إيجابي يُعلم طبيعة الله وصفاته ودعوته للمحبة والرحمة والعدل والتواضع والتسامح والتحرر من الضغينة، والمخطئ سوف ينال عقابه على إثمه من الله يوم الحساب وأرضيًا من الجهات المختصة المقامة بسماح من الله. إلا أن الملاحظ في العقود الأخيرة ومنذ قيام ثورة يولية 1952م ثم حقبة النظام السابق وتحالفه مع التيارات الدينية المتشددة. بدأ المجاهرة بإظهار التحيز الطائفي واستنفار الأغلبية ضد الأقلية من خلال القيادات الدينية التي تم إطلاق سراحها مستغلين بساطة وجهل الرأي العام وانحياز قيادات سياسية وشعبية للتيار.
ونحن نرى أنه منذ ذلك الحين ومعاناة المسيحيين في تصاعد، ولأن ستارة المسرح الإعلامى قد تم فتحها على مصرعيها والإمكانيات متاحة ومسخرة فالفرصة سانحة لإيهام وترويج فكرة أن الكنيسة تلعب دورًا سياسيًا وأن قادتها يحاولون السيطرة على زمام الأمور المختصة بالأقباط المسيحيين لإغفال ومداراة أخطاء القيادات السياسية ودورها ومسؤليتها فيما وصلت إليه الأوضاع، وليس الكاتب الفاضل وحده من يقول مثل هذه الأمور فهناك فريق يقول أكثر من هذا ويروجون بأن النظام السياسي يفرض قيود على المساجد ويتدخل في شئون الأمور الدينية حتى في الخطاب الدينى، بينما المسيحيين يتمتعون بكامل الحرية في ممارسة العباده والشعائر...وإلخ!! وطبعًا هذا تضليل وكذب ومغالطة لا تحتاج للإيضاح.
ما أحوجنا جمعًا نحن المعنيين بالخطاب الدينى أن نخلع نظارة التحيز لانتماءاتنا الدينية لنرتدي نظارة العدل والموضوعية.
حضرة المفكر الكبير إن خطابك هذا أصابنا بالدهشة والصدمة لأنه يعطي إيحاء بأنك مؤيدًا لهذه الآراء وأنت من نعرف عنه أنك صاحب التحليل الموضوعي. إن الإدعاء بأن المسيحيين لهم كامل الحرية والحبل مطلق لهم على الغارب وأن خطابهم أصبح عدائيًا إنما هو أمر مغرض معروف أسبابه. لتقليب النظام على المسيحيين أو إجهاض أي محاولة أو رغبة للنظر في تحسين أوضاع المسيحيين.
هل لهذه الدرجة لم يعد لدينا أي رغبة لعمل أي خطوات إيجابية لمواجهة واحدة من أخطرالمشاكل التى تهدد أمن وسلام مجتمعنا ؟ فإننا نشعر أنه لم يعد هناك داعي لذكر ما يعانيه المسيحيون من معاناة في مجتمعنا وباعتراف المنظمات الحقوقية العالمية، لأن تكرار المطالب يعتبر نوع من الحكي الممل والإستجداء.
إن إلتجاء المسيحيين للكنيسة في عموم مشاكلهم يرجع لسببين، الأول والأهم لاعتبارات دينية، والثاني إجتماعية وسياسية. فرجل الدين يسمى الراعي والأب، وهو يعتبرممثلاً للسيد المسيح راعي الرعاة على الأرض، وعمل الراعي أن يهتم بشئون رعيته من كافة الوجوه ويحمل قدر من المسئولية أمام الله من جهة رعيته وهو مقدم المشورة الأول.
رد على مقالات المفكر الإسلامى جمال البنا (3-2)

تحدثنا في المقال السابق عن جوهر وطبيعة وخصائص الخطاب المسيحي وذكرنا أن الخطاب المنبري يختلف عن الإعلامي. فالأول تعليمي موجّه للمؤمنين وهو ما تحدثنا عنه، أما الثاني وهوالإعلامي موضوع حديثنا الآن، فهذا الخطاب يغلب عليه الطابع التبشيري الدعوي بأعتبار أنه موجه لمن هم خارج الكنيسة أى كان أنتمائهم الدينى على أعتبار أن التبشير ركن أساسى من أركان الإيمان، ثم من سمات الخطاب الإعلامى أيضا مواجهة الأراء النقدية والتشكيكية فى العقيدة وهو عمل مشروع طالما لم يخرج عن السلوك المقبول وفى الغالب هذا ما يقصده الكاتب فى مقالاته ويثير ضيقه وغضب الآخرين من فريق الأغلبية بمجتمعنا وقد سبق وتكلمت فى مقالين سابقين بهذه الجريدة، كما تم نشرهما ببعض المواقع الإلكترونية عن هذه الإشكالية تحت عنوان "الإنفلات الإعلامى والحوار والنقد الدينى".
وبعدما تأكدنا بالتحليل من خلال المقال السابق برأة الخطاب المنبرى المسيحى من التهمة الموجه له يبقى لنا إشكالية الخطاب الإعلامى وبخاصة البرامج الفضائية وهى محدوده ومعروفة القناة المقصودة، ولست أعلم ماذا يمكن أن تفعل الكنيسة بكل طوائفها ليصدق الجميع أن العمل فى هذه الفضائيات يتم من خلال توجهات شخصية وليس بخطة أو ترتيب من النظام الكنسى أو أنظمة سياسية أوهيئات دولية تأمرية حتى التمويل المادى هو عبارة عن تبرعات من أفراد أو كنائس محلية وطبعاً من خارج مصر، وأعلم أن ما أقوله يرفضه الاغلبيه فى منطقتنا لان الثقافه التى نشئنا فيها علمتنا ان الدين جزء من العمل السياسى والانظمه القائمه، وبالاضافه لما ذكرناه عن الخطاب الاعلامى فهو يقدم أيضًا نوع من أنواع حوار النقد الدينى وقد سبقنا المسؤلين عن الخطاب الاسلامى فى هذا العمل وقاموا بنقد كل أسس العقيده المسيحيه مثل التجسد الالهى وصلب السيد المسيح والوحده فى ثالوث والتشكيك فى عصمت الوحى (الكتاب المقدس)..الخ. وما ظهر من المسيحيين مؤخرًا فى هذا الامر ما هو إلا رد فعل لما قام ويقوم به حشد من الدعاة بالتعرض للعقيده المسيحيه وبكتابهم المقدس والتطول حتى على النص الدينى، وان كان ظهر من بعض المسيحيين طابع الهجوم او استخدام الاسلوب الاستفزازى والذى يحسبه البعض تطاول فاللوم الاكبر يقع على المبتداء، كما أن الامر لم يتعدى الحوار الفكرى الاكاديمى ولم يتطرق ابداً للتحريض بالاعتداء للأرتكاب أى أعمال عنف وللحقيقه أيضاً لم يصل الامر لحد السباب كما يدعى البعض لسبب بسيط وهو ان السباب فى العقيده المسيحيه منهى عنه"وأما الان فكتبت إليكم : إن كان أحد مدعو أخاً زانياً أو طماعاً أو عابد وثن أو شتاماً أو سكيراً أو خاطفًا، أن لا تخالطوا ولا تُؤاكلوا مثل هذا"(1كورنثوس11:5). "غير مجازين عن شر بشر أو عن شتيمه بشتيمه، بل بالعكس مباركين، عالمين أنكم لهذا دعيتم لكى ترثوا البركة"(1 بطرس9:3) وذلك أقتداًء بسيدنا ومخلصنا يسوع المسيح "الذى إذ شتم لم يكن يشتم عوضًا"(1بطرس23:2).

لذا فمن المؤكد أن العاملون بالخطاب الاعلامى حرصون على السلوك المسيحى ولاسيما لو كان منهم أحد الاباء الموقرين، وانى أرى أنه عوضاً عن الصياح والضجر والانفلات بسبب الاسلوب كان الاولى والاصوب عدم الالتفات للاسلوب بقدرالاهتمام بالرد الموضوعى المقنع على الماده النقديه المقدمه من المراجع مع الوضع فى الاعتبار رفضنا من حيث المبداء أسلوب الاستهزاء بالاخر أو استفزازه، إلا أنه من المؤسف ان الجميع هنا وهناك لايزال ينتهجون هذا السلوك المعيب، وان كان يصدر الامر من منطلق فردى من الجانب المسيحى حيث أن الكنيسه بجميع طوائفها ممثله فى قادتها تلتزم بروح الحكمه والسماحه المسيحيه للحد الذى يجعلها مرات فى موضع الاتهام بالضعف والجبن الا ان الامر يحدث من جانب الاغلبيه بموافقة الاجهزه الرسميه والقياديه !!. أننا نود ان نقول لكاتب المقالات كان الاجدر به ان يقدم لنا تناولا محايدا للمشكله قبل توجيه اللوم للمعتدى عليه ولا سيما انه لم يقدم لنا تصرفات او اقوال أو أفعال صدرت من الكنيسه الرسميه تعتبر دليل مقنع على تطور الخطاب القبطى من الموده للعداء، فبدا الامر لنا انه يحمل شيئا شخصى تجاه الكنيسه اكثر منه تناول لمشكله او ظاهره اجتماعيه. إن أقباسكم لما تحدث به البابا أثناء أحداث الخانكة موجهاً حديثه للكهنه"أنتم كم؟مائه وستون،عايزكم ترجعوا ستة عشركاهن،والباقى يفترشون الارض افتراشاً ويستشهدون" للتدليل على تحول الخطاب من الود للعداء إنما هو فى الحقيقة تحامل غير موضوعى.. أولاً لأنك تخفى ما حدث من أحداث جسيمة كانت سبباً لهذا الكلام..
ثانياً ليس عيباً أو حراماً أن يغضب الإنسان حينما يستوجب الأمر الفعل ومن حقه أن يعبر عن غضبه ففى كتابنا تقول الأية " أغضبوا ولا تخطئوا " (رو 15:12 ) وعندما طالب من الكهنة الأستشهاد دفاعاً عن الكنيسة إنما يعنى الأستشهاد بحسب الفهم المسيحى وقد سبق وتكلمنا عنه فى مقال ( ثلاث كلمات سيئة السمعة، حلقة الجهاد ) والرجل لم يخطىء عندما طالب بصوم فى الكنيسة. لست أعلم..هل أصبح حتى ليس من حق المسيحيين التجاوب مع المشاعر الانسانيه الطبيعيه من أنفعالات ومعهم رموزهم الدينيون ؟!! وهل أصبح حتى الألتجاء لله وقت الشده والغضب تصرفاً يستحق اللوم وهو عمل يدعوا للخصومه والصراع ؟!! فليس فيما أستشهدت به سباً أوتحريضاً أو أو.. فأين العداء إذا ً ؟!! أى ثقافه هذه التى ترفض أى مظهر من الاحتجاج للانسان حتى لو سلمياً ؟!!. وما يؤكد التحامل انه يُرجع أن بداية الخطاب العدائى تزامن مع بداية تولية البابا القياده متجاهلاً الاحداث السياسيه فى هذا الوقت وتزاوج السلطة مع تيار الاسلام السياسى وما نتج عنه من اعتداءات على المسيحيين بدايتها احداث الخانكه واخرها حتى كتابة هذه السطور احداث فرشوط وكتابات محمد عماره ويوسف زيدان وتصريحات زغلول النجار.. الخ، اليس من العجيب ان يتجاهل احداً بقامة وفهم الاستاذ الجليل كل ما يحدث للمسيحيين من أضطهاد مما نسمعه من مكبرات المساجد وشرائط الكسيت والاذاعه والتلفزيون ونقراءه فى الصحف والمطبوعات والمناهج الدراسيه ولا تحرك له ساكن، بينما تثيره علامات الغضب من الكنيسه وقادتها ويعتبره خصومه وصراع ؟!!.

ومن الاسانيد التى أستند عليها أيضاً لتأكيد ما يرمى به الخطاب المسيحى خطاب أسقف القوصية الأنبا توماس فى معهد هدسون بواشنطن وأعتبارها أنها سلسلة من المغالطات والأكاذيب والزيوف على حد قوله وبها يعلن رفضه لفكرة المواطنه أى الاسقف. والحقيقه هى أن الكاتب يعلن رفضه أن يكون لأحد من الأقباط رأىً مخالف فى قرأة التاريخ والاحداث عن الذى يتم بثه وتخزينه فى عقول المجتمع، متجاهلاً الأحداث والدوافع التى منها خرج الخطاب وهى حقيقيه، فالواقع والحقيقة أنه لنا رؤيا مختلفة فيما يقدم لنا من تعليم موجه فى الأحداث التاريخية ولنا كثير من الملاحظات على سرد التاريخ فى مجتمعنا حيث يغلفه جانب كبير من التحيز أكثر من الموضوعية والصدق ؟ فلست أعلم لماذا ترى أن خطاب أسقف القوصية خروج على مبدء المواطنة ؟ مع أن مضمونه هو ترسيخ المواطنه ورفض ضغوط الأسلمه. فنحن لم ننادى ابداً بدولة قبطية ولامسيحية بل بدولة مصرية مدنية تسمح بالتعددية على أن تكون الديانة لله.
وهكذا نرى أن خطاب المفكر الكبير لايخرج عن كونه لوم وأنتقاد للمسيحييين من كبيرهم لصغيرهم، فلم يذكرلنا ولا كلمه واحده يرى فيها أن المسيحيين يواجهون أى نوع من المتاعب أو التجاوزات بل يرى ان الصوره ورديه ونحن نراه يعيش حاله من النرجسيه التى من خلالها يطالبنا أنه ينبغى علينا العوده للعقل والكف عن جحودنا لتنكرنا لجميل من حمونا من الرومان.. أستاذنا الفاضل اليس من غير المنطقى ان يعطى فريق نفسه الحق فى مهاجمة الاخر ونقده والتعرض لمعتقداته بالازدراء وتشكيك اتباعه فى إيمانهم ليقدم دعوته على انقاض الاخرين بينما يرفض بشده ممارسة الاخر لهذا الحق ويعتبره أعتداءً وتحريضًا !! عزيزى الاستاذ جمال البنا وأنت القارىء المطلع أليس بقراءه عابره للعهد الجديد يتضح لك أن نصوص الوحى تامر المسيحيين بالدفاع عن أيمانهم بالحوار وبالكتب "لأنه كان بشتداد يفحم اليهود جهرًا، مبينًابالكتب أن يسوع هو المسيح"(أعمال28:18)، "فقبلوا الكلمه بكل نشاط فاحصين الكتب كل يوم : هل هذه الأمور هكذا؟"(أعمال11:17) حتى وأن وصل الامر للاستشهاد وهذا ما فعله الرسل عبر التاريخ الكنسى. من هنا نستطيع أن نقول أن الخطاب المسيحى لم يخرج بعد عن جوهره ومضمونه وهو الحوار السمح وإن كان يحتاج الى تطوير فهو غير ما تقصد وليس المجال الان لهذا الموضوع. أعلم اننا نتكلم من خلال منطق مختلف انت تتكلم من منطلق الدوله الدينيه كامر مسلم به والتى تمنح تابعيها امتيازات خاصه من مبداء وحدة الدين والسياسه ونحن نتكلم من منطلق الدوله المدنيه التى تؤمن بالمواطنه والمساواه بين أبناء الوطن الواحد بمبداء فصل الدين عن السياسه..
عزيزى القارىء يهمنا أن تميز إن دفاعنا هذا ليس القصد منه هو الدفاع عن رموز دينيه نكن لها التقدير والاحترام من خلال دوافع عاطفيه، بل افهم انك تدرك أننا تخطينا مرحلة الانسياق وراء المشاعر، بقدر ما هو رغبه لأظهار مقاصد غافله على النحو الاشمل. والان بعد ما قلنا وجهة نظرنا فى موضوع الاتهام الموجه للخطاب المسيحى القبطى. يبقى لنا التعليق على بعض الاشارات الاخرى التى وردة بالمقالات أنتظرونا بمشيئة الرب.
رد على مقالات المفكر الإسلامى جمال البنا (3-3)

والآن بعدما أنتهينا من عرض وجهة نظرنا فى إشكالية الخطاب الدينى المسيحى وبخاصه القبطى يبقى لنا التعليق على بعض النقاط والافكارالهامه التى تضمنها المقال فيما بين السطور ولا يجب تمريرها مرور الكرام لانها تحتاج للايضاح
• لخلط بين الانتماء الدينى والوطنى
• الموقف من اقباط المهجر
• الكنيسه والعمل الاجتماعى
• التقارب المسيحى الاسلامى وموقف المسيحيين من الماده الثانيه وتطبيق الشريعه
هناك خلط حادث عند الأستاذ وكثرين فى مجتمعنا بين موقف المسيحى من جهة الأمور السياسية والوطنيه من ناحية ومن جهة أعتزازه بعقيدته من جهة أخرى ، فليس من دعوة المسيحية المناداه بتكوين الأمة المسيحية لذا فمواقفنا الوطنية فى الدفاع ضد المستعمر الذى يبغى الأعتداء على أرضنا واضح وصريح كما ذكرت مشكوراً مستشهداً بأحداث ثورة 1919 م . فليس لدينا خلط بين الأمور الروحية والأمور الأرضية ومن هنا نعرف أن مقولة قداسة البابا شنودة الثالث " أن مصر ليس وطناً نعيش فيه بل وطن يعيش فينا" ليس من أجل المجاملة أو الاستهلاك الإعلامى إنما من واقع ثقافتنا الدينية ومنه كان موقف الأقباط من المستعمرالإنجليزى الذى ينتسب شعبه الى الديانة المسيحية وغيره مثل الاحتلال الفرنسى ، وعلى هذا نقول أن إيجابية المسيحى فى القضايا الوطنيه نابعه من دوافع دينيه وباسلوب يبتعد عن العنف والعراك ، وبسبب هذه الثقافة لم يخرج نفر منا ليقول أن يحكم مصر جنرالاً أجنبياً مسيحياً خير من أن يحكم مصرحاكماً مسلم . فاعتزاز المسيحى بانتمائه للوطن لا يتعارض مع أعتزازه وتمسكه بايمانه وعقيدته . والدفاع عن العقيده لايعتبرخيانه للوطن أوأنتقاص من الأنتماء للبلد ، فما علاقة هذا بذاك ؟!! هل أصبح من متطلبات أثبات الانتماء للوطن الخروج من الدين والعقيده والدخول فى دين الاغلبيه ؟ ؟ ؟ فالدين لله والأوطان للشعوب ، فالسماويات للسمائى والأرضيات للأرضيين هذا هو منطقنا . وعندما يرى أحدا أو بعض من الاقباط ممارسات من التحيز والتميز لشريحه من المجتمع ويعمل على فضحها فليس هذا خيانه للوطن . بل العكس هو الصحيح ، بل إن الصمت يعتبر تقصير فى الواجب الدينى وذلكً عملاً بقول الله " ولا تشتركوا فى أعمال الظلمه غير المثمرة بل بالحرى وبخوها ." (أفسس11:5)
وفى هذا الصدد علينا التحدث فيما أشرت إليه من أدانه لموقف أقباط المهجر وما يتعرضون له من تطاول واتهامات من اعلامنا لما يظهرونه من أحتجاج على ما يحدث لاخوتهم واهاليهم فى مصر !! إن دفاعهم عن ذويهم من منابر الحريه انما هو حق مشروع من كافة النواحى الدينيه والانسانيه ومن القصور الفكرى أعتباره نوع من الخيانه الوطنيه ومواقفهم الوطنيه لاتقبل المزايده إلا لمن يصرون على الخلط بين ما هو دينى وما هو وطنى . ثم إن الاصرار على أستخدام المنطق المغلوط وأذدواجية المعايير لم يعد أمراً مقبولاً فى ثقافة هذا الزمان واستخدام التعبيرات التى فقدت معناها مثل الاستقواء بالخارج لم يعد لها محل من الاعراب ، لقد تعلمنا من دراسة التاريخ فى مدارسنا أنه من نجحات الزعيم مصطفى كامل تدويل القضيه المصريه ايام الاحتلال ، فمن لم يجد من أهله من يسمعه او يهتم بمشاكله أو يمنحه بعض من حقوقه الضائعه عليه أن يبحث عن من يمكن أن ينظر لمعاناته بنوع من الموضوعيه والانصاف والحياديه . وليس الاقباط فقط هم من يصعدون مشاكلهم للهيئات الحقوقيه المعنيه ، إن العالم اصبح قريه صغيره . الم يخاطب المسلمين أنفسهم ضمير العالم أبان صراعات البوسنه والهرسك !! ولدينا الكثير من المواقف التى يمكن أن نحكيها التى تؤكد أذدواجية المعاييرولكن لايحتمل المجال ذكرها .وأتذكر أننى كنت قد قراءة مقالا للمفكر الموضعى المهندس طارق حجى منذ أكثرمن عام نشر فى العديد من ادوات الاعلام ما يؤيد هذا الرأى أنه من حق الاقباط والمسيحيون ان لا يكفوا عن الهتاف فى المطالبه بما يروه من حقوق مشروعه لهم مهدره . فمن حق كل من يرى انه صاحب حق ويشعر بالظلم ان لا يكل عن طلب الحصول عليه بالحجة والوسئل المشروعه وإلا كان مقصرا فى حق نفسه وعقيدته وضميره . وللصدق إن أقباط المهجر يمتلكون مساحه شاسعه من الحب والتقدير داخل قلب معظم إن لم يكن كل مسحيين مصر وغير ذالك هو نفاق تحت مسمى الدبلوماسيه التى تتعارض مع مبادىء الايمان . وهذا الحب والتقديرهم يشعرون به مما يجعلهم يعتبرونه تفويض لهم بتحمل مسؤليه يعينهم الرب على اتمامها .
وفى المقال الثانى أقتبس عن العلامة الأب متى المسكين ما يعنى خطأ الكنيسة بالأنخراط والمساهمة فى برامج التنمية وإقامة مشاريع للخدمة الإجتماعية ! فى الحقيقة نحن نجل الأب متى ونقدر علمه ولكن ليس كل ما يقوله العظماء عظيماً ، ورغم علمنا بحجم قامتنا مقارنة بالأب متى إلا أنه عندما يكون هناك نصوص صريحه واضحه بالكتاب المقدس هنا تتلاشى فرص الاجتهاد ومن هذه النصوص " اشفوا مرضى طهروا برصا. أقيموا موتى . أخرجوا شياطين . مجاناً أخذتم ، مجاناً أعطوا" (مت10:5) وبالفحص لخدمة السيد الرب يسوع المسيح نجد أن الخدمات الإنسانية جزء لا يتجزء من رسالة الإيمان ، ففى الشاهد الذى ذكرناه نجد أن السيد له المجد وهو يعطى التلاميذ الذين أختارهم وهم رمز للكنيسه أو نواة تكوين الكنيسه تكليفات بداية العمل الرسولى يوصيهم بأن العمل الروحى مقترن بعمل الرحمه ( الرسالة الاجتماعية) ومن قصة السامرى الصالح (لوقا10 : 25- 37) نعلم أنه لا إيمان دون أعمال وأن أعمال الخير يجب أن تكون لكل محتاج بغض النظر عن لونه أو جنسه أو دينه، وأهتمامه بدعم الفقراء من خلال ما كان يقدم له من تبرعات وعند الموافقة للتصريح بالخدمة لمن كانت لهم الدعوه الروحيه لذالك كان يتم تذكيرهم بعدم إهمال هذا الجانب كما حدث مع بولس الرسول "فإذ علم بالنعمه المعطاة لى يعقوب وصفا ويوحنا، المعتبرون أنهم أعمدة ، أعطونى وبرنابا يمين الشركه لنكون نحن للامم ، وأما هم فللختان . غير أن نذكر الفقراء . وهذا عينه كنت اعتنيت أن أفعله " ( غلاطية2 :10،9) . "ما المنفعة يا إخوتى إن قال أحد إن له إيماناً ولكن ليس له أعمال ، هل يقدر الايمان أن يخلصه ؟ إن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليومى ، فقال لهما أحدهما : "امضيا بسلام ، استدفئا واشبعا"ولكن لم تعطوهما حاجات الجسد ، فما المنفعة؟ هكذا الايمان أيضا ، إن لم يكن له أعمال ، ميت فى ذاته" ( يعقوب2 :14-17) وهذا على سبيل المثال لا الحصر ، وهل يحق لنا أن نسأل عن سبب أعتراضكم على ممارسة الكنيسة للخدمة الإجتماعية ؟ نرجو أن لا يكون السبب هو الرغبة فى تحجيم رسالة الكنيسه ومكانتها فى المجتمع لتأكيد تهميش الكيان المسيحى ، أو خوفاً من أن تحمل لمسة الرحمه والمحبه رساله روحيه تبشيريه تحتل مكاناً فى قلوب من يتلقونها . أعتقد أن ما قصده الأب متى المسكين هو حركة ما أسموه بالأنجيل الأجتماعى وهى حركة إنسانية بنيت على مبادىء المحبة المسيحية وروحها ، ظهرت فى الغرب فى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر وهى من نتاج حالة الارتداد الروحى التى تعيشها هذه المجتمعات فى أعقاب التمرد الذى حدث على الكنيسة والتمسك بالمغالاه فى الحرية حتى ولو على حساب المبادىء والأخلاقيه الدينية ، وهذه الحركة كانت تنادى بالإكتفاء بالجزء المادى فى مبدء الخلاص وهو مساعدة الإنسان فى أحتياجاته الإنسانية مثل معالجة الفقر والجوع والجهل والمرض والمضطهدين والأيتام .. ألخ دون التعرض لجوهرالرسالة وهو الدعوة للخلاص الروحى من خلال الفداء الذى تم بموت المسيح مصلوباً وقيامته وعدم التبشير بدعوى أنه أنتهاك لحرية الإنسان وخصوصيته مع أن دعوة السيد الرب يسوع منذ البداية للخلاص هى دعوه شموليه "وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل"(يوحنا10 : 10) . فى فهمى إن القراءه الصحيحه لما تحدث به الاب متى المسكين هو رفضه ان تكتفى الكنسيه بتقديم رسالتها الاجتماعيه والتخلى عن رسالتها الروحية أو الانشغال بالجانب الاجتماعى على حساب الجوهر وهو الرساله الروحيه . هذا هو ما يجب أن يؤخذ دائماً بعين الاعتبار لان تصبح الرساله الاجتماعيه بديل للرساله الروحيه ، أو ان ينتج عن الانشغال الذائد بالعمل الاجتماعى ابتلاع الرساله الروحيه .

وأخيراً رغم تقديرى الكامل لدوافع الاستاذ جمال البنا النبيله من أجل محاولة أحتواء حمى الصراعات العقائدية وإحداث تقارب بين الفريقين ، إلا أن الحل لا يجب أن يكون أبداً على حساب تقديم تنازلات مخزيه من جهة العقيدة . إن الاقتباس الوارد بالمقال الثالث للقس إبراهيم لوقا أنما هو يعتبر نوع من أساليب التلاعب بالالفاظ من جانبه (أى القس) لايصح أن يكون فى الثوابت الايمانيه ، ففى الخطاب الدينى لابد أن نكون على أعلى درجه من درجات ئالشفافيه ولايصح أبداً أن يستخدم المسيحيون المصادر الاسلاميه لتقديم أمور خاصه بالعقيده المسيحيه والعكس صحيح أيضاً . لان كل فريق له أصوله الخاصه به فى علم التفسيرالمرتبطه بالسياق الفكرى العام ومن خلال القرينه أى الظروف التى ذكرت فيها على سبيل المثال فقد ورد بالمقال من أقتباسكم للقس أبراهيم لوقا " إن المسيح رسول الله . " وهذا قول منقوص يخلوا من الشفافيه المخله لمحاولة التقارب وأسترضاء الاغلبيه لان الصحيح والثابت لدينا إن السيد المسيح له المجد ليس فقط رسول بل هو أكثر من رسول أنه الله الظاهر فى الجسد "وبالاجماع عظيم هو سر التقوى : الله ظهر فى الحسد " (تيموثاوس الاولى 16:3) . كما نرى أن حصر مناقشة الامور الخاصه بالمسيحيين من جانب الاخوه المسلمين من خلال المصادر الاسلاميه فقط أمر غير صحيح لان القرأن يتحدث عن النصارى وليس عن المسيحيين كما لايجب حصر فهم المسيحيه فى محيطها الضيق فى شبه الجزيره العربيه وفى مساحه زمنيه صغيره هى وقت ظهور الاسلام فقط . فى أعتقادى إن الحل الامثل والمنطقى والمتحضر هو الاخذ بمداء لكم دينكم ولى دينى وتعليم ثقافة قبول الاخر حتى وإن كان مختلف عنى وليس بالضروره الوصول لصياغه توافقيه لأحداث التقارب المنشود لأن هذا الامر من المؤكد أنه سوف يحدث تعدى على بعض الخصائص المميزه والتى لا يقبل بها أى من الطرافان وعلى سبيل المثال تجنب بعض المسيحيين أستخدام اسم السيد يسوع المسيح والاكتفاء فقط بأستخدام لفظ الجلاله الله لمحاولة التوفيق والتقارب مع الاغلبيه أنما هو تنازل مخزى عن حق أصيل فى العقيده المسيحيه وتفريط فى الاقنوم الثانى أقنوم الابن وما يترتب عليه من مساس بثوابت الايمان ، علينا جميعاً ان نقبل الاعتراف بالحقيقه أن هناك أختلاف واختلاف جوهرى وكل منا يعترف بوحى مختلف عن الذى يقبله الاخر وهذا الاختلاف لايجب ان يتحول الى خلاف عدائى بل يقبل كل منا الاخر بما يؤمن به بل ويحترم كل منا الاخربمعتقداته وخصائصه التى تميزه . أما موضوع اندهاشك من رفض المسيحيين تتطبيق الشريعه على المسيحييين رغم استشهادك بمن يؤيد من الاقباط عدم تطبيق الشريعه على المسلمين دون المسيحيين فهؤلاء يقدمون رأيهم الشخصى فهناك قوانين من الشريعه سوف تتعارض مع معتقدات خاصه بالمسيحييين وسوف تحرمهم الشريعه من ممارسة حقوقهم فيها بعتبارهم شركاء فى الوطن منها التبنى والمساواه فى الميراث بين الذكر والانثى وامور اخرى كثيره كما ان هناك اختلافات فقهيه كثيره فى احكام الشريعه وتفسيرها وسوف نوضع بين كفى رحى ما بين رأى معتدل وأخرمتشدد وهذا سلفى .. الخ . فحتى كتابة هذا المقال لست أعلم إن كان ختان الاناث هو من العادات ام العبادات وقس على ذلك فى كثير من القضايا وعندما هممت فى كتابة هذا المقال كنت قد قراءت لكم مقالكم الاول بالمصرى اليوم فى موضوع الشريعه وقد أشرت فى المقال صعوبة هذا الامر لكثرة الاراء والاختلافات. فى الحقيقه إن هذا الموضوع إنما يسبب لنا كثير من القلق والخوف المبرر لان الامور الحادثه الان خير تأييد لنا فى رفضنا ولدينا الكثير من الاحكام التى إن ذكرناها تؤكد التميز الذى يحدث من خلال احكام الشريعه لغير المسلمين ، فمن خلال حقوق المواطنه ننادى بقوانين وضعيه مدنيه . وما ذكرت بأن الدول التى تخلت عن القوانين الدينيه أنحرفت إلى الانحلال فأسمح لنا أن نقول لك أيضاً ان الدول التى تصرعلى أن تكون دول دينيه هى أكثر الدول قمعيه وتجاوزا وأخلال بحقوق الانسان
أخيراً نشكرك على أهتمامك بالشأن القبطى وعلى حرصك لتقديم الفهم المسيحى السليم فى عقيدة الثالوث.
رسالة معايدة
جائتنى الرسالة على المحمول تقول .. كنت اود ان أقول لك كالعادة عيد سعيد ولكن أسمح لى أن أقول عيد حزين . هكذا أستقبلت الرسالة بأعين دامعة وقلب مكسور وماعمق الأحزان حتى جعلنا نرفض قبول العزاء ماطلعتنا به الجرائد القومية صبيحة يوم العيد بأن المسئولين يقدمون التهانى للكنيسة والبابا وشيخ الأزهر يؤكدان على عمق العلاقة بين المسلميين والمسيحيين ثم مانشت بالصحيفه الرسميه ، مسئول أمنى يؤكد أن الحادث غير طائفى .. هذا بخلاف ماخرج به علينا نيافة الأنبا كيرلس ليعلن بالفم المليان هنا فيه فيل ولا يجب أن نلومه على هذا فليس هو وحده من يردد هذا القول بل جميعاً نردده منذ عدة عقود. ولكن شكراً لكل كاتب وكل قلم تجرأ اخيراً ليقف امام البلطجى ولايهاب صفعاته المتتالية على القفا والوجه ليقول هنا مفيش فيل فتحية لهؤلاء وبخاصة جريدة المصرى اليوم . فرغم مرور عشرات السنين على رؤيتى لفيلم طقية الأخفى إلا أن مشهد الراحل الممثل توفيق الدقن القائم بدور البلطجى وهو يصفع الطيب الوديع المسالم المقهور عبد المنعم إبراهيم الممثل الراحل الذى كان يقوم بهذا الدور لايريد ان يفارق ذاكرتى ، فكلما كان يقابل البلطجى هذا الطيب المسالم كان يخرج له علبة كبريت صغيرة ويسأله العلبة فيها أيه ؟!! والويل كل الويل إن لم يقل هنا فى فيل ... ولأنه يوجد إله عادل فى السماء دارت الدائرة وتغيرت الظروف وتحول البلطجى القوى إلى ضعيف يتلقى الصفعات من ذاك الضعيف ولأنه جبان كان يسارع للصراخ هنا فى فيل !!
ففى صباح يوم الجريمة خرجت علينا الصحف القومية لتقدم رسالة مفدها تبريراً للحدث لتقول الحادث ليس طائفى أسف لتقول لنا العلبة ديه فيها أيه ؟.... ثم بأحد البرامج التليفزيونية يقول لنا المسئول الكبير فى مداخله تلفزيونية ارفض التشكيك فى الأمن وفى القضاء رغم الأدلة التى يتحدث بها ضيوف الحلقة من المسيحيين مؤكدين أنه منذ السبعينات وصلت التعديات على المسيحيين مائه وستون حادثه بالتمام والكمال ولم يعاقب أحد !!!.. إلا أنه يصر أنه بالقانون ولم يخلو الامر من أظهار العين الحمراء ليقولوا هنا فى فيل !! كما أظهر رئيس البرلمان العين الحمراء للنائبه جورجت قلينى لأنها أصرت إن هنا مفيش فيل وبالمناسبه هيأكلك الغول يا جورجت ربنا معك . ونحن من حقنا أيضا أن نرفض كل هذه الأمور ونقول هنا مفيش فيل ؟ والحادث طائفى وليس فردى وليس له اى صله بحادث فرشوط ولم نعد نقبل تمييع الامور.
الرد مع إقتباس
رد

أدوات الحوار

شروط الكِتابة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is مُتاح
إستخدام الوجوه التعبيريّة مُتاح
كود الـ [IMG] مُتاح
كود الـ HTML غير مُتاح
Trackbacks are مُتاح
Pingbacks are مُتاح
Refbacks are مُتاح



حوارات سابقة ذات صلة بموضوع:
الحوار الكاتب الساحة الردود آخر مداخلة
السرد والإعتراف وإعادة تعريف الهوية سعيد عبد الفتاح أرآء حرّة 0 2nd July 2009 09:34 PM
مأساة إنسانية: الأمن يعتقل المقاول القبطي وشقيقه رغم الإفراج القضائي عنهم! Humane التمييز الديني في القانون 0 22nd November 2008 11:27 PM
استياء قبطي بعد إخلاء سبيل 8 من العربان وبقاء المقاول القبطي وشقيقه!! Humane التمييز الديني في القانون 0 11th October 2008 02:33 AM
مهزلة المحكمة ترفض شهادة القبطى عزت ابراهيم التمييز الديني في القانون 1 18th September 2008 06:01 PM


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2. الساعةُ الآن 06:19 PM.


Misryon Against Religious Discrimination
Powered by vBSEO over vBulletin® 3.8.4
Developed by 'Sons Of Egypt' Network
يسمح بالنقل خارج الموقع دعماً لمجّانية المعرفة - شكراً لمن أشار للمصدر

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21