كيفية الإنتساب إلى الموقع

عودة   مصريون ضد التمييز الديني > الساحات العامة > ثقافة وتاريخ

رد
 
LinkBack (1) أدوات الحوار
  1 links from elsewhere to this Post. Click to view. #1  
قديم 25th October 2008
مصريون ضد التمييز الديني
 
تاريخ القيد بسجلات المنتدى: Jun 2008
المداخلات: 124
الوضع الإفتراضي التحول من المسيحية للإسلام في العصر المملوكي

التحول من المسيحية للإسلام في العصر المملوكي
دكتور تامر الليثي*

أود في البداية أن أشكر "مصريون ضد التمييز الديني" على دعوتي للتحدث في هذه الندوة. إن التاريخ من المواضيع الهامة لأنه الآن أحد ساحات الصراع الطائفي في مصــر، وقد وصل النقاش في بعض الأحيان إلى درجـــات من الحـــدة والجـــدل الطائفي بعيدة كل البعد عن النقاش العلمي والحــجــج العلمــية، لكنى أرى أن هـــذه الحدة، مع كل مســاوئها، تعد مؤشــــرا لاهتمام الناس بالقضــيــة، التي أهتم بـهـا بنفس القــدر.

سـأحدد في عجالة الإطار العام لحديثي اليوم:
· لن أتطرق لمشكلة التحول الديني بتحليل هذا التحول، وكيفية اتخاذ قرار التحول.
· كما أنني لن أتكــلم عن الشــخص الذي تحــول، ولا عن قــرار التـحــول كقــرار شخصي، ولكنني سـأرصــد التـحـول الجماعي ونـتـائجـه، وســأحـاول أن أشــرح بعض العـلاقـات بين التـعـريـب، أي التـحـول اللغوي من اللغـة القبطية إلى اللغـة العـربية، وعـلاقـتـه بالتـحـول الديني.

آليات التحول الديني

لنـبـدأ بـطـرح السـؤال التالي: كـيـف تـتـحـول الهـويـة الديـنـيـة لأي مـنـطـقـة مـن ديـن إلى أي ديـن آخــر، مــن الـمـسـيـحـيـة إلى الإسلام مـثـلا؟ نـسـتـطـيـع أن نـطـرح أربـع آليـات كمـا يلي:

الآلــيــة الأولــى: الهـجـرة، أي أن تكون مـجـمـوعـة من القبــائل قد اسـتوطنت في المــكان، وهـــذا الاحتمال ذو مـرجـعـيـة في حـالة مـصـر، لأن بـعـض القـبـائل العـربيـة جـاءت إلى مـصـر واسـتوطنت فيها بعد الفتح/الغـزو العربي، لكن عــددهـم كـان في حــــدود الآلاف، وهـو عـدد صـغير بالمقارنة بتعـداد سـكـان مـصـر الذي كـان يقدر في ذلك الوقت بالملايين، ومن ثم فهذه الآلية لا تقدم تفسـيرا للتحول الكبير والجذري.

الآلــيــة الثـانـيـة: اخـتلاف معدلات النمو، أي أن يكون هناك اختلاف في معدل النمو بين المجـتمعين، المسـلم والقبطي، ولا توجد أي مؤشـرات أو مصادر تاريخية تؤكد هذا الأمــر، من ناحية أخرى، كان المسـلمون يحاربون، وبالتالي كان معدل الوفاة أعلى نســـــبيا، ولكن يمكن الادعاء أن المسـلمين كان عندهم طــلاق وتعدد زوجـــات من ناحــــية أخرى، وبشـــكل عام لا يوجـــد لدينا أي دليل على أن معـــدل النمـــــو في أي مـن المجتمعين كان يختلف اختلافا كبيرا عن الآخر، وبالتالي فاٍن هذه الآلية لا تـفـســـر التحـــول الكــبير الذي حــدث.

الآلــيــة الثـالـثـة: الزواج، أي زواج الرجال المسـلمين من نسـاء مسـيحيات لينجبوا أطفالا مســـلمين أيضا، لكن عدد هذه الزيجات بالضرورة قليل جدا، ومن ثم لا يمكن أن تكون هـــــذه الآلية هي القادرة على تحويل مـصـر من المسـيحية إلى الإسلام.

الآلــيــة الرابـعـة: التحول الديني الجماعي، وقد وجدت دائما حالات فردية، منذ الفتح/الغـزو العربي، من التحول إلى الإسلام لأسـباب مختلفة، ويمكن أن يكــون هــذا الأمـر موضـوعــا لندوة أخرى، لكن ما أود أن أركز عليه في هذه الندوة، هو التحول الجماعي، ففي فترة معينة دخل الناس بمجموعات كبيرة إلى الإسلام.

الوضــع في مصــر عشية دخول عمــرو بن العاص

كـانت أغـلبية الشـعب المصري في منتصف القرن السابع الميلادي تتكون من المسـيحيين، وليـس مطــروحـا للنقــاش وجود بعض الوثنيين من عدمه، لأن ذلك التسـاؤل يعتبر خارج نطاق البحث.أغلبية الشـعب كانت من المسـيحيين الأقباط، قد تكون هناك بعض الأقليات في المدن، لكـن الأغلبية العظمى كانت من الأقباط، وأهم ما في الموضوع أن الأقباط شـكلوا العمالـة الأسـاسـية في دواوين الدولة، وهى نقطة هامة جـــدا أثرت بالتأكيد على مســـــــار التاريخ القبطي. كانت الأغلبية العظمى في الدواوين من الأقباط، ابتداء من الوزراء ونزولا إلى العمال الذين يقومون بجباية الضرائب. كانت هذه هي الصــورة عندمــا دخل عـمـرو بن العـاص إلى مـصـر، وقد أبقى على هذا الوضع، وتبعه في ذلك كـل من حكم مـصــــــر من بعده. بقى هذا التخصص قبطيا حتى القرن الرابع عشــــــر الميلادي، عندما حدث التحول الجماعي إلى الإسلام، وسـنصـل إلى هذه النقطـــــة الهــــامة فـيــمـا بـعـد.

ما الذي لم يحدث بعد دخول العرب مصر

أولا: لم يحدث تحول إلى الإسلام بالسـيف، وهذه نقطة لن نطيل فيها لأنها لم تحدث فعلا.

ثانيا: كانت هناك نظرية تقــــول إن ثورات البشـمورية في أوائل القــرن التاسـع الميلادي قامت في مواجــــــهة زيادة الجـــــرائم، وإنها كانت ثورات قــبطية، وقد قام الجيش العباسي بقيادة المأمون بإخمادها. حدث نتيجة لذلك التحول بشـــكل جماعي إلى الإسلام. لا يوجـــد تاريخــيا ما يعضـــد ذلك إلا جــملة وحــيدة مخــتلطة وغـير واضحة ذكرها المقريزي بعد انتهاء الوقائع بسـتمائة عام، أي أنه لم يكن معاصــرا للأحــداث، لكن البرديات التي وصلت إلينا، وهى أكثر أهمية، تحتوى على أسـماء مســيحية قــبطية حتى القرن العاشــــر الميلادي، فإخماد الثورات لم يؤدِّ إلى التحــول الجماعي في القرن التـاســع.

ثالثا: يذهب بعض الناس إلى أن الدعاة هم الذين سـاعدوا على نشـر الإسلام في مـصـر، وهذا كلام عارٍ عن الصحة، فتاريخ الإسلام في البداية لم يكن مشـتملا على الدعوة، وهو يختلف عن التبشـــير المسيحي في العصــور الحديثة في العالم الجــديد وفى آسيا، ولم يثبت التاريخ وجود برنامج دعوة اتبعتها الدولة لنشـر الإسلام.

رابعا: يبقى موضوع الجزية، والذي يطرح في النقاش على أنه كان العامل الأساسي في التحول إلى الإسلام، لكن ذلك لا يمثل الحقيقة الكاملة لسـببين:
· السـبب الأول: في القرن الأول من الإسلام لم يكن محددا بوضوح الأشـخاص الذين يجب أن تفرض عليهم الجزية.
· السـبب الثاني: كانت الجزية ثلاث فئات، الفقير يدفع دينارا والمتوسـط الدخل يدفــع دينارين، أما الغنى فيدفع أربعة دنانير، والمبلغ بالنسـبة للغنى لا يمثل عبئاً، حاولت أن أرصد عبء الدينار الواحد على الفقير لمعرفة مدى العبء الواقع عليه، المعلومات المتوفرة لدينا عن الريف شـحيحة، لكن بالنسـبة للحرفيين فاٍن الدراسـة أظهرت أن الدينار الواحد يناظر أجر عشـرين أسـبوعا تقــريبا، أي حوالي نصــف العام، وهذا يمثل طبعا عبئا كبيرا جدا.

يطرح هذا ســـؤالا هاما، كــيــف اســتطـاع مــحــدودو الدخــل دفــع الجــزيــة؟ والإجابة على هذا السـؤال أنهم لم يكونوا هم المتحملين لعبء دفع الجزية، لكنها كانت تدفع عنهم بواسـطة الأغنياء كصدقة، سـواءً عن طريقهم مباشرة لفقراء قراهم أو عن طريق الكنيســــة التي تقوم بجمع الصدقات من الأغنياء ودفع الجزية للفقراء، فموضوع الجزية كان عبئا على الفقراء، أدى إلى زيادة التماسـك داخل المجتمع القبطي بين أغنيائه وفقرائه،

والمهم في الموضــوع أن نعــرف أن موضــوع الجــزية لم يؤدِّ إلى تحــول جماعي في مـصـر من المسـيحية إلى الإسلام، وأن التحــول الجماعي حـــدث في نهــاية القـــــرن الرابع عشــر، أي بعد سـبعمائة عـام كان يتم فيها فرض الجزية ومضاعفتها، ومع ذلك لم يحدث التحول الجماعي بســــبب تحـــمل الأغنياء والأعيان مـــن الأقباط لدفع الجزية نيابة عن الفقراء.

ماذا حدث بعد دخول العرب؟

أولا: قويت الكنيسـة جدا في القرن الأول، وبدأت تتحدث باسـم كل المسـيحيين في مصر، خاصة بعد تحول طائفة المكانيين إلى الطائفة الأرثوذوكسـية، وطائفة الملكانيين كانت على خلاف كبير مع طائفة الأقباط الأرثوذكس، وقد ترسـخ الخلاف اللاهوتي في مجمع سـنة 751 حول طبيعة المسـيح، فالأقباط الأرثوذكس يقولون بطبيعة واحدة للمسـيح، وهى طبيعة إلهية، في مقابل الملكانيين الذين كانوا يعتـقـدون بطبيعــتين للمســــيح، وكــان مـذهب المكانيين هو مذهب من تحــول من الرومان إلى المسـيحية، ومذهب الملوك، ورغم أن المكانيين كانوا أقلية عند الفتح، إلا أنهم كانوا أقلية لا يسـتهان بها .وقد سـاهم تحول الملكانيين في مصر إلى الطائفة الأرثوذوكسـية في زيادة قوة الكنيسـة في القرن الأول للفتح الإسلامي .

ثانيا: أن الحكام المسـلمين في مـصـر وبقــية البلدان، كالعــراق والشــام، لم يهــدفوا إلى تحول الشـعوب التي فتحوها إلى الديانة الإسلامية، فقد كانوا يهتمون بما يحصلون عليه من موارد عن طريق الجــزية، وعلى سـبيل المــثال، فعـندما سـمع الحــاكــم "جـراح بن عبد اللـه" والذي مات ســــنة 730 ميــلادية، عن زيادة عــــدد الذيـن يدخلون الإسلام هربا من الجزية، هدد بأنه سيشـرف بنفسـه على ختـــــــان كل من يريد دخول الإسلام .

لم يكن ذلك موقفا فرديا، فلم يكن هدف الحكام تـحـول الشـعوب إلى الديانة الإسلامية، إنما على العكس من ذلك، كانوا ينزعجون للإقبال على دخول الإسلام هربا من الجزية، لتأثير ذلك على موارد الدولة.

ثالثا: لم يحدث تحول على المسـتوى الجماعي في القرون الأربعة الأولى للفتح الإسلامي مع مرور الوقـت ونمـو المـدن، بدأت المدن التي يســكنها العرب تصـبح هي المـدن الكبرى ومراكز التجارة، وكانت التجارة حافزا على اختلاط الشعب القبطي بالعرب، والتطور الهام الذي بدأ يحدث في القرنين الثامن والتاسـع الميلاديين، هو التعــريب نتيجة للتعامل والاختلاط، وقد حدث التعريب وتأصل قبل حدوث التحول الديني، ومع حلول القرن العاشـر الميلادي، أصبح معظم الشـعب القبطي يتكلم اللغة العربية كلغة
يومية، وأسـتشـهد هنا بنص من إحدى الســـير من القرن العاشـر الميلادي، نــص يعبر عن المشـكلة على لسـان صاحب السـيرة.

يقــول النـص: "الويل ثم الويل يا أولادي الأحباء، ماذا أقول؟، في تلك الأزمنة عظم الكســــل الذي يطرح في المنطلق، فاٍنه في ذلك الزمن، يميل كثيرا على الاسـتقامات، وتـشــبـهـوا بالمهاجرين في أعمالهم، يسـموا الأولاد بأسـمائهم، ويترك أســـماء الملائكة والأنبيـاء والرســـل والشـــهداء، ويعملوا أيضا عملا آخر، إن أخبرتكـم به فاٍن قلوبكم تـتـرج كثيرا، لأنهـم يتركوا اللغة الحســـنة القبطية، الذي ينطق بها الروح القـدس مــرارا كثيرة من أفواه آبائنا الرسل، ويعلموا الأولاد من صغرهم أن يتكلموا بلغة الأعراب، ويفتخروا بها، حتى الكهنة والرهبان أنفسـهم أيضا يتكلموا بالعربية ويفتخروا بــه وذلك داخل الهيكل".

من هذا النص نرى بوضوح أن المشـكلة الكبرى التي عبر عنها كاتب النص لم تكن هي التحول الديني، ولكن التحول الثقافي .

كان يلاحظ التعريب على عدة مسـتويات، بدأ الأقباط يتخذون الزى العربي في ملابســهم، ويطلقون الأســماء العربية عــلى أبنائهم، إلى جانب اسـتخدام اللغة العربية في أحاديثهم . أي أن ثقافتهم قد بدأت في
التحول . ويتضح أن كاتب النص كان على دراية تامة أن ما حدث هو الخطوة الأولى التي سـتسـهل عملية التحول الديني، ما يهمنا هنا أن الشـكوى في النص من التحول الثقافي وليســـت من التحـــول الديني، التحول الثقافي الذي وصل إلى الكنيســـة والرهبان في القرن العاشـر .

في ذلك الوقت، ظهرت مشـكلة في التعليم الكنسي، خصوصا في الريف، فقد بدأ التعليم الكنسي للشـعب المسيحي في التدهور، وتلـك نقطة هامة تمثل خلفية لما سـيليها من تحول ديني، فالتعليم الكنسي يعلم القــــواعد الأسـاسـية للدين، يعرف به الناس تفاصيل الاختلافات بين دينهم والدين الإسلامي، فقد يرى بعض البســـطاء ذوى المعلومات البدائية عن المســـيحية، أن الإسلام لا يختلف كثيرا عن تعاليم دينهم، خاصة مع عدم درايتهم بالموضوعات اللاهـــوتية والــديــنية.

إن التحول الثقافي هو أكبر تحول جماعي حدث في المجتمع القبطي حتى القـــــرن العاشــر، ومن أهم البراهين التي تثبت ذلك، ما تم اكتشــافه لأرشـيف عــائلة مــن الأقباط بجــوار الفيوم كانت مســتنداتهم كلها باللغة العـربية. مســتندات رســمية قضائية ووثائق بيع وشـراء، ومعاملات الأشـخاص، كلها كانت باللغـــة العـــربية سـنة 1020 ميلادية. حدث هذا الاكتشـاف في منتصف القرن السـادس عشـر في الفيوم، خلف الدير المحرق ولم ينشـر عندنا رصد البحث 59 وثيقــة مكتشــــفة عبارة عن أرشـيف لعائلة كانت من ملاك الأراضي. نقطة تاريخية هامة تثبت أن حياة ملاك الأراضي من الأقباط قد بدأت تتغير تماما، ثقافيا ولغويا، وليس دينيا.

مـتـى حـدث التـحـول الديني الجماعي؟

جدير بالذكر أن ما يعنينا هو التحول الجماعي وليس الفردي، فقــد حدثت حــالات فردية على مدى القرون الأولى، لكن التحول الجماعي لم يحدث حتى بداية القــرن الرابع عشـر، أي في فترة المـمـاليك وبعد مرور خمسـين عاما على بداية حكمهم.حدث التحول الجماعي نتيجة لضغوط مختلفة مورسـت على المجتمع القبطي أثناء حكم المـمـاليك، أدت إلى حدوث ذلك التحول الجماعي، الذي لم يتم بسـهولة .

ولنتحدث عن الضغوط المختلفة التي مورسـت على الأقباط.

انتبهت الدولة إلى أن وجود الأقباط في الدواوين لا يتفق مع كونها دولة إسلامية ، ووجدوا في ذلك مشـكلة فأصدروا الفرمانات المتتالية التي تخير الأقباط بين الدخــول في الإسلام أو ترك وظائفهم، وأدى ذلك إلى تحول الكثيرين منهم إلى الإسلام، لكننا نتكلم هنا عن نخبة من سـكان القاهرة لا تتعدى نسـبة 5% من الأقـباط، ولا يتعــلــق الأمر بالأعيان والأغنياء من الأقباط .

لنســأل أنفسـنا، لماذا حدثت الضغوط في ذلك الوقــت بالذات؟

أعتقد أن الخلفية الهامة جدا لهذه الظروف هي المـمـالـيك أنـفـســهـم، لقد جــــاء المماليك من آســـيا الوسـطى، كانوا أتراكا وتحولوا هم أنفسـهم إلى الإسلام في حياتهم، ولنرَ كيف يتكلم عنهم ابــن خــلــدون، وكيف يؤكد مدى أهميتهم للإسلام، لأنهم حماته من الصليبيين والمغول، من ذلك نـرى أن دورهم في تلك الحـروب كان مهـما جـدا لصـورتهم أمام أنفســـهم وأمام الشـــعب على الســـواء . كان ذلك هـو الدور الذي يمارســـون بـه هــويتهــم الدينية والإسلامية.

بعد أن انتهوا من الحــروب الصليبية في فلسـطين وسـوريا في أواخر القـرن الثالث عـشــر، عندما تحول قائد المغول أيضا إلى الإسلام، وبعد أن فقدوا الجزء الأكبـــر مما كان يعطيهم هويتهم الإسلامية أمام الشـعب، وأمام أنفسـهم كحكام مســـلمين، لم يكن من قبيل المصادفة، وهذه قراءتي الشـخصية، أن يبدؤوا في تبنى ممارســــة الضغوط على الأقباط، أي أنهم في ذلك الوقت، أي في القرن الرابع عشـر الميلادي، كانوا بذلك يمارسـون هويتهم الإسلامية أمام الشـعب .

حدث في ذلك الوقت أن انتشـرت أوبئة كثيرة، على رأســها الطاعــون، كما حــدثت الكثير من المجاعات، مما أصاب الدولة بمشــاكل اقتصادية كبيرة جــدا، دفعتها إلى ممارسـة الضــغوط على أمـلاك وأوقــاف الكنيسـة، وقـام المـمـاليـك بمصــادرتـهـا، مما شـكل خطوة أخرى في مسـلسـل ممارسـة الضغوط على الأقباط، كان من تأثير تلك الضغوط حدوث تحول للنخبة القبطية من الأعيان، مما أثر تأثيرا مباشـرا علـى
تحول بقية الشـعب القبطي، فقد كانت النخبة من الأعيان تتكفــل بدفــع الجــزية عن الفقراء، سواء بشـكل مباشـر، أو عن طريق الكنيسـة بالصدقات التي يدفعونها لها.

حدث التأثير نتيجة لذلك، فالعامل الرئيسي الذي سـاعد على عدم حدوث تحول ديني جماعي لمدة سـبعمائة عام، وهو دفع النخبة للجزية نيابة عن الفـقـراء، قــد انتفــى الآن، وأعتقد أن هذا هو السـبب الذي نسـتطيع أن نفــهم به ذلك التحــول المطلــق، وهذا هو السـبب الرئيسي الذي تشــير إليه المصــادر التاريخــية وكتب الطـبقـات، نلحظ فجأة تلك الإشارات التي تشـرح الظروف التي تم التحــول فيها إلى الإسلام، لكن تلك المصادر التاريخية لا تذكر بقية الشــعب من الفـقـراء بنفـس التركيز، لكنهـا تشـير إلى العلاقة بين تحول الأعيان المطلق وتحول بقية الشــعب نتيجة لموضــوع تولى النخبة لدفع الجزية عن الفقراء.

لقد حاولت أن أرسـم خطا زمنيا للتطـورات الهــامة التي حدثت، بناء على قناعــات الوسـط الأكاديمي، فهي ليسـت تأويلا أو قراءة خاصة بي، لكنها حقائق متفق عليها، بخصوص التعريب ومتى حدث، وموضوع الضــغوط على المجــتمع القبطي، فهـذه أشـياء أسـاسـية، لكن دور القراءات والتأويل لها يأتي بعد ذلك .

الخلاصة:

أولا : إن حدوث التحول الجماعي بعد سـبعمائة عام من الفتح الإسلامي، يعنى وجود تفاهم وتسـامح خلال تلك المدة، ولا يجب هنا أن نترجــم كلمة تســامح إلى أن الأحوال كانت مثالية على الدوام، فقد حدثت بعض الضغــوط في فترات معــينة خلال تلك المدة، لذلك لا يجب أن نتصــــور وجــود المســاواة في تــلك الفــترة التاريخية، ذلك لأن مجتمع العصـور الوســـطى كـان مبنيا عـلى إبراز وإنتاج الاختلاف، كان هذا هو اتجاه الحكام والكيفية التي يتقلدون بها مناصبهم .

إن مجتمعات الشـرق الأوسـط تختلف عن المجتمعات الأوروبية في القـــــرون الوسـطى . كان الناس من خلفيات ومجموعات دينية مختلفة، وفكرة المسـاواة فكرة حديثة، لم تكن جزءا من المنطق أو التفكـــير الســـائد بين النـاس في تـلك الفترات التاريخية، لكن دعونا نفرق بين عدم المسـاواة وبين الاضـــطهاد. إن اضطهاد الرومان للكنيسة القبطية وللمسـيحيين كان يصل إلى حد الاسـتشـهاد. لم يحدث هذا الاضطهاد للمسيحيين واليهود كأهل كتاب في المجتمع الإسلامي، فقد كانت لهم مكانة، ولم تكن هناك ســـياســة للدولة هـدفـها تحـويل الشـــعـب إلى الإسلام.

ثانيا: اندمج المتحولون إلى الإسلام في المجــتمع بعد جــيل أو جــيلين على الأكثر، وهذا يختلف عما حدث في أسـبانيا، على سـبيل المثال، فقد اسـتمر المسـلمون واليهود المتحولون دينيا لفترات طويلة وهــم معروفــون بأنهــم المتحــولون، وكانوا يسـتبعدون من وظائف معــينة ويعرضــون على لجــان للتفـتـيـش عـن أفكارهم . لقد اندمــج المتحــولون من المســـيحية إلى الإسلام في المجــتمع سـريعا وأصبحوا عربا، مما يشـهد بأن المجـتمع الإسلامي تقــبل المتحـولين بسـرعة وأدمجهم فيه اندماجا تاما تنتفي فيه خــــلفــيتهم بأنهــم تحــــولوا إلى الديـانة الإسلامية.

ثالثا: رغم تلاعب الحكام في بعض الأحيان بالخــطــاب السياسي الطائفي لتكـثيف صورة معينة عن هويتهم الإسلامية كما حدث مع المماليك، فاٍن عملية التعريب لم تفرض على الأقباط، لقد تعلم الأقباط اللغة العـربية وتشـــبهوا بالعــرب في ملبسـهم وأسـمائهم، ذلك لتطلعهم لتحسـين وضــعـهم الاجتماعي والارتقـــاء بمسـتواهم المعيشي ومسـتوى أبنائهم .

رابعا: عملية الاختلاف والتحول سـاهمت في تغيير الثقافة المسـيحية القبطية والثقافة الإسلامية . لقد بدأ بعض النـاس في اللجـوء للمـحـاكم الشــرعـية الإسلامية بدون إجبار، واختار البعض تطبيق الشـريعة الإسلامية رغــم وجـود قـضـاء قبطي، كان البعض يفضل اللجوء للقضاء الإسلامي في بعض حالات الطـلاق، وقد شـعرت الكنيسـة بذلك وبدأت تقــوم ببعـض التغــييرات في القـوانين تجـنبا للجوء الناس للقضاء الإسلامي، أي أنها اضــطــرت لتعــديل بعــض القــوانين لمواجهة احتياجات الشـعب . كانوا جميعا يتكلمون نفس اللغة ويواجهون نفس المشـاكل، فقام المسـلمون أيضا بمراعاة ملاءمة القوانين لمتطلبات الشـعب.

إذن فقـد أدى هــذا الاخــتلاط إلى مـزيـج خــلاق، غيّر في الإسلام المصري وهويته بسـبب الاحتكاك مع الثقافة القبطية، فالأقباط الذين تحولوا إلى الإسلام لم يحدث تغير كامل في ثقافتهم بنسـيان حياتهم القديمة، لكنهم تحولوا بالكــثير من المعطيات والأفكار والثقافات التي يفهمون من خلالها الدين الجديد، ومن أمثلة ذلك الملاحظات الآتية:
· تقديس الأولياء والتبرك بكراماتهم، وهذا موجود في الثقافة القبطية قبل دخول الثقافة الإسلامية.
· علاقة الحياة بالموت وزيارة القبور والأموات.
· زيارة الأماكن والأشـخاص والرموز الدينية المشـتركة كالموالد، فذلك تفاعل مع الثقافة المصرية.

وفى النهاية، فأنني أهتم في الدراسـة التاريخية بهذا الموضــوع، لأني أعتقـــــد أن ممارسـة التأليف بشـكل نقدي ذي بعد تحليلي تساعدني على التغيير، وليس لإعادة كتابة تاريخ الأحداث حسـب المصالح. إن تحرير فكرة المصير التاريخي أمر حتمي فعندما نعرف أسـباب الأشـياء وتطوراتها، نسـتطيع أن نعرف العوامل المختلفة التي حدثت أو التي لم تحدث، أو توقيت حــدوثها الذي يؤثر عـلى مســـارها تماما .

إذن فالنظرة التاريخية النقدية تبعدنا عن فكرة الحتمية، وهى الخطوة الأولى التي تعطى لنا مسـاحة للفــهم ونقــد الذات، وأرى أنها لابد أن تحــدث قــبل أي تحــول جذري لمجتمعنا في المسـتقبل .

* أسـتاذ تاريخ بجـامعة نيـويـورك وكانت أطروحته للدكتوراه عن التحول الديني في مــصـر في العصـر المملوكي.
الصور المُرفقة
نوع الملف: jpg Image011.jpg‏ (84.4 كيلو بايت, 8 الزيارات)
نوع الملف: jpg Image013.jpg‏ (86.9 كيلو بايت, 9 الزيارات)
الرد مع إقتباس
  #2  
قديم 26th October 2008
الصورة الرمزية لـ باسم الجنوبي
مصريون ضد التمييز الديني
 
تاريخ القيد بسجلات المنتدى: May 2008
المداخلات: 73
الوضع الإفتراضي

الفاضل د. منير،

بشكل عام فالمحتوى النصى بمجمله أعطاني إنطباعاً تجميلياً وغير موضوعي، وهو ما لم أخذه كانطباع عن الندوة.
من الذي قام بالتفريغ للمحاضرة على شكل نصى؟
مثالاً وليس حصراً، أنا لا أتذكر أنى سمعت هذا الجزء مطلقاً:
إقتباس:
فالأقباط الأرثوذكس يقولون بطبيعة واحدة للمسـيح، وهى طبيعة إلهية،
فهذا الكلام عار من الصحة.
سأراجع التسجيل الصوتي للمحاضرة لكي أتأكد. لكن حتى لو لم ألاحظة فلا أستطيع تخيل خلو الندوة من الأقباط. فهذه هي الحالة الوحيدة التي قد يمر فيها هذا التعبير دون تحفظات.

إحترامي..
__________________
نحن نثق فيمن لا نعرفهم، لأنهم لم يخدعونا من قبل..
الرد مع إقتباس
رد

أدوات الحوار

شروط الكِتابة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is مُتاح
إستخدام الوجوه التعبيريّة مُتاح
كود الـ [IMG] مُتاح
كود الـ HTML غير مُتاح
Trackbacks are مُتاح
Pingbacks are مُتاح
Refbacks are مُتاح


LinkBacks (?)
LinkBack to this Thread: http://forum.maredgroup.org/t318.html
بواسطة For Type بتاريخ
Untitled document This thread Refback 25th October 2008 10:44 PM

حوارات سابقة ذات صلة بموضوع:
الحوار الكاتب الساحة الردود آخر مداخلة
الحيرة المسيحية حسن خليل أرآء حرّة 7 2nd July 2009 05:22 PM


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2. الساعةُ الآن 06:16 PM.


Misryon Against Religious Discrimination
Powered by vBSEO over vBulletin® 3.8.4
Developed by 'Sons Of Egypt' Network
يسمح بالنقل خارج الموقع دعماً لمجّانية المعرفة - شكراً لمن أشار للمصدر

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21